ظلمات البحار و تنوع الأمواج

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

المقدمة:

  قال تعالى:) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور(ٍ [1].

    تشير هذه الآية الكريمة إلى حقيقة علمية رائعة في علم البحار، فهي تحدثنا عن بعض مزايا البحر العجيب، وتكشف لنا طرفاً من مشاهده المدهشة، ألا وهو وجود أمواج داخلية للبحر، وظلمات متعددة فيه، وقبل سوق الحقائق العلمية التي تفسر هذه الآية وتؤكد حقائقها الثابتة، نستعرض بعض أقوال أهل العلم من المفسرين لنقف عند رؤيتهم العلمية لهذه الآية، ولنرى ذلك من خلال كلامهم عن معاني المصطلحات القرآنية من الناحية اللغوية.

     ففي تفسير «فتح البيان»:( في بحر لجي، معظم الماء، والجمع لجج، وهو الذي لا يدرك عمقه، ثم وصف سبحانه وتعالى هذا البحر بصفة أخرى فقال : )يغشاه( أي يعلو هذا البحر )موج( فيستره ويغطيه بالكلية، والموج: ما ارتفع من الماء، ثم وصف هذا الموج بقوله: )من فوقه( أي من فوق هذا الموج )موج( ثان متراكم فيه إشارة إلى كثرة الأمواج وتراكم بعضها فوق بعض، ثم وصف الموج الثاني فقال: )من فوقه سحاب( فيجتمع حينئذ جوف البحر وأمواجه والسحاب المرتفع فوقه ) [2].

     ويقول القرطبي رحمه الله:(  )في بحر لجي( قيل: هو منسوب اللجة، وهو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء، والجمع لجج، واللج البحر إذا تلاطمت أمواجه…) يغشاه موج( أي يعلوا ذلك البحر اللجي )موج من فوقه موج(  أي من فوق الموج موج، ومن فوق هذا الموج الثاني، سحاب )ظلمات بعضها فوق بعض(…المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة البحر، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا…)إذا أخـرج يده( أي الناظر )لم يكد يراها( أي من شدة الظلمات ) [3].

    وفي تفسير «بحر العلوم»:( )أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ ( يعني: مثل الكافر كمثل رجل يكون في بحر عميق في الليل، كثير الماء )يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ( يعني يكون في ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، فكذلك الكافر في ظلمة الكفر، وظلمة الجهل وظلمة الجور والظلم، ويقال: )يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ ( يعني المعاصي، ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء، و )مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ( يعني الخذلان من الله تعالى.

    ثم قال: )ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ( كما قال للمؤمن: )نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ( فيكون للكافر ظلمة على ظلمة، قوله ظلمة، وعمله ظلمة، واعتقاده ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمة، وهو النار، ويقال: شبه قلب الكافر بالبحر العميق، وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث، طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق، ثم قال: )إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ( يعني لم يكن أقرب إليه من نفسه، فإذا أبرز يده لم يكد يراها من شدة الظلمة، ومع ذلك لم ير نفسه ) [4].

    ولو فتشنا عن معنى )لجي( في المعاجم، فسنجد:(لجة البحر حيث لا يدرك قعره، و لج الوادي  جانبه، ولج البحر عرضه، ولج البحر الماء الكثير الذي لا يرى طرفاه ...ولجة الأمر، معظمه، ولجة الماء بالضم معظمه، وخص بعضهم به معظم البحر، وكذلك لجة الظلام، وجمعه لج ولجج ولجاج) [5].

    وفي «العين»:( ولجة البحر حيث لا ترى أرض ولا جبل، ولجج القوم، دخلوا في لجة، وبحر لجي   أي واسع اللجة )[6].

    سبحان الله، ما هذا الوصف الدقيق لأمواج البحار وطبائعها، والذي يتأمل الآية الكريمة، ويدقق بأقوال المفسرين ثم يربط ذلك في الزمن الذي نزلت فيه هذه الآية، وبالعصر الذي قال فيه المفسرون هذا الكلام، يقف مشدوهاً مستغرباً من ذلك، لأنهم يتحدثون عن حقائق العلم التي وصل إليها إنسان القرن العشرين، وما يدريهم هم بهذه الأمواج السطحية والداخلية والظلمات الدامسة في أعماق البحر، هل سبروا أغوار البحار ورأوها، هل التقطوا صوراً فضائية وشاهدوها ؟ نعم إنهم شاهدوها بمنظار العقيدة واليقين، ورأوها من خلال مرآة القرآن المعجز الكريم.

    بوسعنا الآن أن نستنبط من الآية الكريمة ثلاث حقائق وهي:

   1- هناك أمواج داخلية في أعماق البحر تحت الأمواج السطحية.

   2- وهذه الأمواج غير موجودة في أيّ بحر، وإنما يجب أن يكون عميقاً )لجي(.

   3- المناخ الذي يحيط في تلك المنطقة ملبد بالسحب والغيوم.

    تلك هي التصورات القرآنية حول قضيتنا هذه، وقبل أن نثبت الحقائق العلمية التي وصل إليها البحاث، نشير إلى لفتة لطيفة في هذا الصدد، وهي قوله تعالى: ) أو كظلمات( ففي الآية إعجاز لأنها تتحدث عن ظلمات في أعماق البحر، ولقد تكررت مرتين لتوكيد هذه الظلمات، ولم يقل الحق: ظلام ، إنما قال: )ظلمات( وهذه الظلمات )بعضها فوق بعض( فما هو المقصود من هذه الظلمات، لقد كشف العلم عن السر الكامن من وراء هذه الكلمة وإليك بيانه.

  

 

الحقائق العلمية:

حول هذه الحقيقة يتحدث كبار علماء البحار في كتاب كتبه ثلاثون  عالماً من العلماء  المتخصصين في الملاحة البحرية،وجمع أبحاثهم ريتشارد فيتر*وعنون هذا الكتاب بـ « علم المحيطات» وفي تأكيد هذه الحقيقة وتوضيحها، يقول الكابتن جاك كوستو* في مبحث من مباحث هذا الكتاب:( عندما يخترق ضوء النهار البحر فإن اللونين الدافئين الأحمر والبرتقالي يزولان بسرعة وعلى عمق 50 متراً لا يبقى غير الألوان الخضراء والزرقاء والأرجوانية من ألوان الطيف، ومع ذلك إذا أدخلنا الضوء صناعياً تحت الماء، فإن الأصقاع وحيوانات البحر العميقة سرعان ما تدب فيها الحياة بصبغة زاهية لم يكن في الحسبان أن تكشف عن نفسها، وعلى عمق ثلاثمائة متر يشع ضوء أحادي بلون كاف نستطيع به أن نرى أشكال الصخور أو حركة الأسماك، وعلى عمق ألف متر وحتى في أفضل الظروف وأنسبها، فالليل أبدى للعين البشرية، فالرؤية تكون أحياناً سيئة في مصبات الخلجان والموانئ أو المدن، ولكن الماء يكون صافياً بصفة عامة أو شديد الصفاء في المحيط المفتوح أو العمق الأخضر، وعندما يبدو الماء صافياً كالبللور فإن الرؤية لا تزيد عادة على ثلاثين متراً للغواصين شأنها في ذلك شأن ضباب مدينة مثل لندن )[7].

     سبحان الله، من أخبر محمداً عليه السلام بهذه الظلمات في البحر؟.

     إن الذي أخبره عن الظلمات البحرية هو الذي أنبأه عن الأمواج الداخلية، وعن العلاقة بين السحب الجوية والأمواج.

     قال تعالى:) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ( الآية تتحدث عن وجود أمواج داخلية في أعماق البحر، وأخرى سطحية من فوقها سحاب، فماذا قال العلم في ذلك ؟.

    في كتاب «علم المحيطات» عُقد فصل بعنوان "الأمواج" وتحدث عن الأمواج بنوعيهما الخارجية والداخلية، أما عن الأمواج الداخلية فقال:( لقد تكلمنا لحد الآن عن الأمواج التي تقع في المنطقة الواقعة بين سطح الماء والهواء، ولكن يمكن للأمواج أن تمتد بين أي سائلين مختلفي الكثافة، فمثلاً بين الزئبق والهواء، وبين النفط والماء، وبين طبقات ماء المحيط ذات درجات الكثافة المختلفة، وكلما كان الاختلاف كبيراً في الكثافة بين السائلين، كلما انتقلت الأمواج بصورة أسرع، فمثلاً لكون الزئبق كثيف جداً بالمقارنة مع الهواء فإن الأمواج فوق الزئبق ستنتقل بسرعة كبيرة، ومن جهة أخرى فالماء أكثف من الزيت بكثير لذلك سوف تتحرك الأمواج بين السائلين بصورة بطيئة، وعند تواجد طبقتين من ماء المحيط ذات درجات كثافة مختلفة قليلاً، يمكن أن تتكون الأمواج بين هاتين الطبقتين وتدعى هذه الأمواج الداخلية { internal wave} وتنتشر ببطء متناه)[8].

     ولقد تحدث العلماء عن صنف من الأمواج الداخلية ويدعى أمواج التسونامي{tsunami}  وهي نوع من الأمواج التي تسير بسرعة هائلة تبلغ 600 قدم في الثانية، وتحدث في الطبقات العميقة من المحيطات نتيجة الزلازل والبراكين وأحياناً الانفجارات الذرية، وهذه الأمواج قليلة الحدوث، إلا أنها خطيرة جداً، وينشأ عنها خسائر فادحة، علاوة على أنه لا يمكن التنبؤ بها.

      ونحن نعلم بأن هناك أمواجاً على سطح البحر نعرفها جميعاً، وهي صغيرة الحجم بالنسبة لما كشفه العلم سنة ألف وتسعمائة بواسطة علماء {أسكندينافة} وهي الأمواج الداخلية في أعماق البحر المحيط، ودعم ذلك ما قامت به الأقمار الصناعية من استشعار عن بعد، وتصوير لهذا النوع الجديد من الأمواج سنة ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين والذي ما عرفه إنسان قبل التاريخ ولا بعده إلا منذ سبع سنوات فقط، وطول هذه الأمواج السحيقة العملاقة يبلغ عشرة كيلومترات، وسمكها آلاف الأمتار…والمسافة بين الموجة السحيقة والأخرى المجاورة لها في الأعماق تبلغ  3-4 ك.م، وهذا نوع كبير جداً إذا قورن بالأمواج السطحية التي توجد فوق سطح المحيط، والتي ما كنا نعرف غيرها من أنواع الأمواج إلا أخيراً، وهذا النوع السحيق يسود في البحار المظلمة، مثل المحيط الهادي والأطلنطي فالمحيط الهادي سحيق الغور وأعمق مناطق العالم تقع فيه، وهو أخدود {المارياناز} الذي يصل عمقه إلى 36056 قدماً، وهذه المناطق المظلمة هي التي يستحيل وصول ضوء الشمس إليها، لعمقها الشديد، وتراكم طبقات المياه الكثيفة، وقيام الطبقة السطحية من المحيط بإعكاس ضوء الشمس… ولذلك فقد صمم الخالق الأعظم أنواع الأسماك هناك بلا عيون، لأنها لا تستخدمها في الرؤية، وتعيش هذه الأسماك هناك بسمعها ولكن لا تبصر، وهذا الظلام لا يكون كما رأينا في كل بحار الدنيا، وإنما البحار العميقة فقط، والغريب أن محمداً عليه السلام قال بذلك رغم أن ما يحيط بالجزيرة العربية من الشرق هو الخليج العربي وهو ليس بحراً لجياً، والبحر الأحمر من الغرب، وهو بحر داخلي قليل العمق، وبحر العرب من الجنوب وهو الآخر ليس بحراً لجياً...

    إنه لإعجاز حقاً أن يخبرنا القرآن منذ ألف وأربعمائة عام بتلك الظاهرة، فالظلمات التي ذكرها القرآن لا توجد في البحار المحيطة بمهبط رأس الرسول عليه السلام وموطنه، فمن كشف لمحمد هذه الأسرار؟ ومن كشف له عن ظلمات السحب في هذه المناطق التي يتميز مناخها بالاضطرابات والأعاصير وتراكم السحب السوداء في سماءها ؟ إنه الله سبحانه وتعالى الذي أخبره عن طريق الوحي بكل ذلك وجعله سهل الفهم على حسب مدارك ابن الصحراء، وابن عصر الفضاء على حد سواء.

 

 

الإعجاز:

 لقد أثبت القرآن الكريم أن هناك أمواجاً داخلية غير الأمواج السطحية، وهذه الأمواج تتواجد في المحيطات العميقة اللجية، والتي تتلبد سماؤها بالغيوم، أما البحار التي قعرها قريب وسماؤها صافية، فلا يوجد فيها أمواج داخلية، وهذا ما أكده العلم وقرره، فالأمواج الداخلية تتواجد في المحيط الهادي والأطلنطي...فهل ملك محمد عليه السلام الأقمار الصناعية لتصوير هذه الأمواج أم أنه وحي السماء.

 


[1] سورة النور، الآية 40.

[2] فتح البيان في مقاصد القرآن، للقنوجي، 9 / 238.

[3] الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي، 6 / 188، وانظر: تفسير روح البيان، إسماعيل حقي البروسوي، بيروت، دار الفكر، د.ت 6/162.

[4] بحر العلوم، للسمرقندي، 2/538.

[5] لسان العرب، لابن منظور، 2/355.

[6] العين، للفراهيدي، 6/19.

[7] علم المحيطات، ريتشارد  فيتر، ترجمة، ميشيل تكلا، القاهرة، مطبوعات كتابي، د.ت، ص20.

[8] علم المحيطات، كيث ستو، ترجمة، تلفان عناد أحمد، البصرة، نشر جامعة البصرة، 1986، ص523.