تمدد الكون وتوسعه بين القرآن والعلم

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

 

    يقول سبحانه وتعالى:)  وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( [1] .

    تعطينا هذه الآية الكريمة مشهداً آخر من مشاهد تخلق الكون وتطوره، وهذا هو الطور الثاني الذي مرت به حركة الكون، فبعد أن طرأ عليه الانفجار العظيم، هبطت درجة حرارته المرتفعة، وبدأ بالتبرد، والتوسع، والانتشار، والتمدد الدؤوب المستمر…وإن هذا التوسع وذاك التمدد، لم يسرِ عَبرَ مسالك مستوعرة، وطرق وساحات قد ازدحمت بالفوضى والاضطراب…ليست الحالة كذلك بل كما عبَّر القرآن الكريم ) بنيناها(  والبناء يقتضي هندسة دقيقة، ويستلزم تصميماً تشيع بين جنباته الرّتابة المتألقة.

    وبإلقاء نظرة في كتب المفسرين حول معاني هذه الآية، وما تصور لنا من معطيات كونية وعلمية نجد مايلي:

    يقول الإمام القرطبي: في السماء آيات وعبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال، فعطف أمر السماء على قصة قوم نوح لأنهما آيتان، ومعنى )بأيد( أي بقوة وقدرة، عن ابن عباس وغيره:)وإنا لموسعون( قال ابن عباس: لقادرون، وقيل: أي وإنا لذو سعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده، وقيل: أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا، ومنه أيضاً، وإنا لموسعون الرزق بالمطر وقيل:جعلنا بينهما وبين الأرض سعة [2].

     ويقول البيضاوي: وإنا لموسعون، أي لقادرون، من الوسع، بمعنى الطاقة، والموسع: القادر على الإنفاق، أو لموسعون السماء، أو ما بينها وبين الأرض، أو الرزق[3].

     وفي تفسير «فتح القدير»:وإنا لموسعون، الموسع: ذو الوسع والسعة، والمعنى إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها، لا نعجز عن ذلك، وقيل: لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة والقدرة، وقيل: إنا لموسعون الرزق بالمطر [4].

     ويشير سيد قطب إلى معنى السعة بإطاره العام فيقول: والأيد: القوة، والقوة أوضح ما ينبئ عنه بناء السماء الهائل المتماسك المتناسق، بأي مدلول من مدلولات كلمة السماء، سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب، أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة، وتحوي مئات الملايين من النجوم والكواكب…والسعة كذلك ظاهرة، فهذه النجوم ذات الأحجام الهائلة والتي تعد بالملايين، لا تعد أن تكون ذرات متناثرة في هذا الفضاء الرهيب [5].

     فكلمة )موسع( تشير إلى الاستمرارية في البناء المتناسق، وهذا نفيٌ لكل ما قد يمور في سراديب عقل إنسان، من أن الكون جامد ثابت لا حراك فيه ولا حركة، وأنه ملازم صفةً واحدةً لا ينفك عنها.

     وإذا ما رجعنا إلى معاجم اللغة وفتشنا عن معنى كلمة )موسع( وعن الأبعاد التي تعطينا إياها فسوف نجد مايلي:

    جاء في مختار الصحاح: وسعه الشيء بالكسر يسعه سعة بالفتح، والوسع والسعة بالفتح الجدة والطاقة، وأوسع الرجل صار ذا سعة وغنى، ومنه قوله تعالى: )والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون( أي أغنياء قادرون ويقال:أوسع الله عليك، أي أغناك، والتوسيع خلاف التضييق، تقول: وسع الشيء فاتسع واستوسع أي صار واسعاً، وتوسعوا في المجلس تفسحوا  [6].

     وفي لسان العرب: في أسمائه سبحانه وتعالى الواسع، وهو الذي وسع رزقه جميع خلقه ووسعت رحمته كل شيء، وغناه كل فقر، ويقال: الواسع المحيط بكل شيء...والسعة، نقيض الضيق  و استوسع الشيء، وجده واسعاً وطلبه واسعاً، وأوسعه ووسعه، صيره واسعاً،وقوله تعالى:)والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون( أراد جعلنا بينها وبين الأرض سعة، جعل أوسع بمعنى وسع، وقيل: أوسع الرجل صار ذا سعة وغنى، وقوله: )وإنا لموسعون( أي أغنياء قادرون [7]

     هذا هو النبأ والقرار القرآني الصريح حول استمرارية الكون في عملية البناء الموسعة، فمن معطيات الآية الكريمة أن الكون في حالة اتساع مستمرة، وأنه غير ثابت محجم ومحجر، فماذا يقول علماء الفلك في هذا ؟ وماذا توصلوا في أبحاثهم حول توسع الكون وتمدده؟.

الحقائق العلمية:

     المتتبع للمستجدات العلمية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، يجد تنافساً هائلاً بين العلماء فيمن يحظى بأسبقية تدوين اكتشافه حول حركة الكون وتوسعه.

     فلقد لاحظ العالم النمساوي "دوفلر"* في سنة 1842، أن الموجات الصوتية والضوئية الصادرة عن جسم متحرك، تغير أطوالها وذبذباتها تبعاً لحركاتها بالنسبة لراصدها، فهي تقصر فتزداد حدة إذا كانت صادرة عن جسم يتحرك نحو الراصد، أو تطول فتخف حدتها إذا كانت صادرة عن جسم يبتعد عن راصده، هذه الظاهرة المعروفة في الفيزياء باسم ظاهرة "دوفلر"، وقد اكتسبت نظرية "دوفلر" هذه أهمية كبرى في علم الفلك عام 1868، عندما استخدمت في دراسة الخطوط الطيفية المنفصلة، فقد برهن العلماء في ذلك العام أن في الخطوط المظلمة من أطياف بعض النجوم إزاحة بسيطة نحو الأحمر أو الأزرق مقارنة مع طيف الشمس [8].

     ثم جاء "أنيشتاين"* بنظريته النسبية والتي تمثل مراجعة شاملة لقوانين الفيزياء التقليدية، فعندما فرغ أنيشتاين من صياغة النظرية النسبية العامة في عام 1925، حاول استغلال نظريته في بناء نموذج نظري للكون، ولا بد من الإشارة إلى أن النظرية النسبية هي نظرية للجاذبية، تطبق على الأنظمة الحركية المنتظمة وغير المنتظمة، ويعتبر أنيشتاين بنظريته النسبية أن الجاذبية تمثل انحناء أو تحدباً في النسيج الزمكاني "الزمان والمكان" وبغياب الجاذبية يصبح كل من الزمان والمكان مسطحاً، وفي حالة وجود مجال جذبي ينحني الزمان والمكان...ورغم أن نظرية أنيشتاين حول الجاذبية أكثر دقة، إلا أنه لم يكن متأكداً من صحة ما توصل إليه في بناء النماذج النظرية للكون، ولم يكن أحد في ذلك الحين أيضاً يظن أو يشك بوجود حركات كبرى في الكون، ولذلك اتجه أنيشتاين في أبحاثه إلى وضع نماذج ثابتة للكون، وقد تعرضت جهوده في هذا المجال للإحباط الشديد، فكلما سعى إلى بناء نموذج رياضي للكون يجد أن عمله يؤدي إلى كون ينكمش، وبدلاً من أن يتابع ما توصل إليه في حساباته ويوافقها إذ كانت صيغته الرياضية تقوده دائماً إلى حقيقة تدل على أننا لا نحيا في كون ثابت، ولذلك بدأ الشك والحيرة تصيبه في صحة معادلاته، وعلى ذلك أضاف إلى معادلاته مقداراً محدداً أطلق عليه  "الثابت الكوني" بحيث يمنع الثابت كون "أنيشتاين" من الانكماش، وبمعادلاته الخاطئة في بناء نماذج كونية ثابتة فوت "أنيشتاين" الفرصة في تعجيل اكتشاف "هبل"، بما لايقل عن عشر سنوات، وبحلول عام 1929، أصبح جلياً أننا نحيا في كون يتمدد، ولم يعد هناك أي تحفظ جديد، ولقد ندم "أنيشتاين" كثيراً في السنوات الأخيرة التالية لأضافته الثابت الكوني في معادلاته الأصلية في النسبية العامة، وأشار إلى ذلك بقوله: لقد كان ذلك هو أكبر خطأ وقعت به في حياتي [9].     

     ثم استنتج العالم الفلكي الأمريكي "هبل" أن المجرات تتباعد عن بعضها بعضاً بسرعات تتناسب مع المسافة بينها، يشبه ذلك قليلاً قالب الحلوى الذي نضعه في الفرن، فكلما انتفخ تباعدت فيه حبات الزبيب عن بعضها بعضاً، وهذه الحركة لمجمل المجرات والمسماة توسع الكون.

     ويقول "ستيفن هوكنغ"[10] : صورتنا الحديثة عن الكون يرجع تاريخها فقط إلى 1924، عندما برهن عالم الفلك الأمريكي "إدوين هبل" على أن مجرتنا ليست المجرة الوحيدة، والحقيقة أن هناك مجرات كثيرة أخرى، بينها قطع فسيحة من فضاء خاوٍ، وحتى يثبت ذلك فإنه احتاج إلى تحديد المسافات إلى هذه المجرات الأخرى، وهي بعيدة جداً بحيث إنها بخلاف النجوم القريبة التي تبدو في الواقع ثابتة واضطر "هبل" بسبب ذلك إلى استخدام وسائل غير مباشرة لقياس المسافات، وقام "هبل" بحساب المسافات إلى تسع مجرات مختلفة، ونحن نعرف الآن أن مجرتنا ليست إلا واحدة من مجرات يناهز عددها مائة ألف مليون مما يمكن رؤيته باستخدام التلسكوبات الحديثة…واكتشاف أن الكون يتمدد هو إحدى الثورات الثقافية العظيمة في القرن العشرين [11].        

     ويؤكد القضية "ستيفن هوكنغ" أيضاً فيقول: بعد انقضاء ساعات قليلة على الانفجار العظيم يكون توليد {الهليوم}* والعناصر الأخرى قد توقف بعد ذلك، ويكون الكون قد استمر في توسعه من دون حدوث ما هو ذو شأنٍ يذكر، وأخيراً عندما تكون الحرارة قد انخفضت إلى آلافٍ قليلة من الدرجات، ولم يعد {للإلكترونات} وللنوى ما يكفي من الطاقة للتغلب على الجاذبية الكهرومغناطيسية فيما بينها، تأخذ هذه {الإلكترونات} والنوى بالتكتل لتكوين الذرات ويكون الكون ككل قد استمر في التوسع والتبرد [12].

     ثم إن المراقبين في سائر المجرات النموذجية، يرون دفعة مادية واحدة وفي جميع الاتجاهات، وفي أثناء هذا التوسع تزداد أطوال موجات الأشعة الضوئية متناسبةً مع المسافة بين المجرات، ولا يظن أن هذا التوسع هو نتيجة لقوة كونية دافعة، بل إنه ببساطة سرعة انفلات وهروب اكتسبتها الأجرام عند حدوث انفجار سابق، وهذه السرعة تتناقص تدريجياً تحت تأثير الجـاذبية.

     ولقد أكدت قياسات "هبل" أن جميع المجرات، حتى الموغلة في الأعماق السحيقة من الكون تتحرك مبتعدة عنا وبسرعات هائلة، وتبدو لأعيننا وكأن الكون ينفتح أمام ناظرينا، وعلى الرغم مما لوحظ من تباعد عام لجميع المجرات عن مجرتنا، إلا أنه تم الكشف عن استثناء وحيد في ذلك، وهو مجرة {المرأة المسلسلة} التي تبدو وكأنها تتحرك نحونا، ولقد عرف السبب الحقيقي لذلك منذ وقت قريب، وهو أن حركة شمسنا في مدارها حول مركز مجرتنا تقع في اتجاه مجرة المرأة المسلسلة [13].

     ويقوم العلماء حالياً باستعمال مطيافات شديدة القوة والفاعلية لتحليل ضوء النجوم، وبعد دراسات طويلة توصلوا إلى التأكد من أن الخطوط الطيفية تميل دائماً إلى الإحمرار، وعندما يبتعد مصدر ضوئي عن المرصد الموجود على الأرض نجد أن تردد الضوء يتضائل، وبما أن اللون يحدد تردد الموجات الضوئية، وأن اللون الأحمر يكون تردده أقل، فإن العلماء قد استنتجوا أن ميل الخطوط الطيفية إلى الإحمرار إنما يدل على أن كل الأجرام تبتعد عن بعضها، مما ينتج عنه امتداد للكون بشكل عام.

الإعجاز:

     هذه هي الحقائق العلمية عن توسع الكون، التي قد توصل إليها العلماء في عصرنا الحاضر، وأثبتوا كما رأينا من تضافر أبحاثهم، أن الكون ليس ثابتاً جامداً، إنما هو كون متحرك متوسع، وهذا الذي وصلوا إليه بعد كل الدراسات الشاقة والأبحاث المضنية، نجد أن القرآن الكريم الذي نزل على نبيٍّ أمِّيٍّ   وعلى أمة بدائية تعيش بين بحار من الرمال في فناء الصحراء الواسع، قد سبق العلماء في إثبات هذه الحقائق العلمية، وسطرها في صفحاته المجيدة، )وإنا لموسعون( لتكون سراجاً مضيئاً يتبصر بها جمهرة البشر معالمَ بناء حضارتهم، وسبل الوصول إلى الحق فاليقين، وليعلم الجميع أن هذا الكتاب حق، وأنه تنـزيل العزيز الحميد.

 

phhubbleinstein12

العالم أنيشتاين صاحب النظرية النسبية

 

ستيفن هوكينغجورج جاموكوف

ستيفن هوكنغ من كبار علماء الفلك               الفلكي روبرت ويلسون

ستيفن هوكنغ مقعد منذ أكثر من عشرين سنة، فماذا فعل الأصحاء؟.

2237

تلسكوب هابل الحديث الشهير

 

2238

تطوير في مرآة تلسكوب هابل

 

2239

صور لمجرات رائعة التقطها تلسكوب هابل

b4

صورة تبين العديد من أنواع وأشكال المجرات المنتشرة والتي تتباعد عن بعضها بدقة فائقة وتتوسع في هذا الكون الرحيب

 

B1

 

صورة تخيلية لمراحل خلق الكون وبيان تخلق المجرات وتوسعها في الكون

 

uni5

صورة تخيلية لتوسع الكون كتوسع البالون

 

    مجرة أندروميدا، قرص مستدير ذو هيئة لولبية، ولها ذراعان يتكونان من مليارات النجوم، وهي أقرب مجرة أساسية لمجرتنا، وهذه المجرة انطلق ضوءها قبل اثنين مليون سنة ليصلنا، وهي في حالة توسع وانتشار، التقطت {ناسا} الفضائية هذه الصورة في 24/7/1995 [14]

مجرتنا درب التبانة التي تحتوي على ملايين النجوم، والضوء المشع هو من أقرب النجوم لمركز المجرة، التقطتها {ناسا} في 13/6/1996 [15]

                                                                                                                                                 

 

    إحدى أضخم وألمع المجرات المعروفة والتي تسمى إم 101، أو مجرة المروحة نسبة لشكلها العام والتي تمتد على قطر يبلغ مائتين ألف سنة ضوئية، وتقع على مسافة اثنين وعشرين سنة ضوئية عن مجرتنا، كما أنها تخلف موجات من الكتل العالية، وتكثف الغاز ليدور حول مركز المجرة، وهذه الموجات تضغط على الغازات الموجودة وتسبب نشوء النجوم، وهذه الصورة التقطتها ناسا الفضائية الأمريكية في 10/3/2003 [16].

 

المحور الثالث: نهاية الكون بين القرآن والعلم.

     إن الإيمان المقدس الذي شرّفنا الله سبحانه وتعالى به، له متعلقات هامة ينبغي أن تكون ماثلة دائماً في الأذهان والنفوس، ومستلزمات ما ينبغي أن تنفك عنه قيد أنملة، وأول ثمرة من مقتضيات الإيمان بالله سبحانه وتعالى، أن يشرق في نفس العبد إماض التوحيد الناصع، ويستقر في سويداء قلبه أن الذي أبلج الكون من العدم، وفلقه من ظلام اللاشيء هو الله الخالق العظيم.

     وهذه الحقيقة الشامخة هي المقوم الأول من مقومات الدين، والدعامة الأولى التي ينهض على أساسها صرح الإسلام الشاهق السامي.

    فإذا ما تكاملت التصورات السديدة حول هذه الحقيقة، وتساوقت المعاني المتلازمة في سبيل ترسيخ هذا  التصور في أعماق النفس والفؤاد، آنذاك نقف على مفرق الطريق، بين من حفلت نفوسهم بهذه الحقيقة فآمنوا بهذا وانصاعوا بشوق وحب لمتعلقاتها، وبين من تنكَّب طريق هذه الحقيقة فارتكس على وجهه قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

    إن النـزعات البشرية التي يصدرها الهوى كثيرة، إلا أن أخطرها تلك النـزعات المسعورة التي تبناها جمهرة من الذين لا يقرّون بوحدانية الخالق لهذا الكون، فراحوا يروجون بين الناس أن الكون أزلي سرمدي، لا أول لأوّله، وسخروا لبث هذه الأفكار المسمومة أمةً هائلةً من البشر، وإمكاناتٍ ضخمةً من القوة والمال، فأوغلوا في الجحود وإنكار الذات العليا، واكتسى هذا الإلحاد أثواباً متعددةً فتارةً يعلنون كفرهم بالله وإنكارهم أن للكون خالقاً باسم الشيوعية، وتارة باسم العلم والتمدن، وهذه المسميات نتسامع عنها بين الفينة والأخرى، وتظهر بصورٍ وأشكالٍ متعددة، إلا أن جوهرها وحقيقتها واحدة ألا وهي إنكار وحدانية الله وتصرفه في الكون .

     هذه المزاعم العتيقة لم يبق من يعيرها اهتماما،ً بعدما أثبتت البحوث العلمية أن الكون حادثٌ وليس بأزلي، وهذا الصلف الذي روجوه، قد تصدى للرد عليه العلماء في شتى تخصصاتهم، وأثبتوا أن الكون تفجر من العدم.

      ينص القانون للديناميكا الحرارية على أنه من المحال أن يكون وجود الكون أزلياً فهو ينص على أن الحرارة تنتقل من الأجسام الساخنة إلى الباردة، وحيث إنه لا يمكن أن يحدث العكس، أي انتقال الحرارة من الأجسام الباردة إلى الحارة بدافع ذاتي، فإن الكون يسير إلى درجة تتساوى وتتناسب فيها حرارة جميع الموجودات، وينطفئ وهج الطاقة ويغور معينها، وتقف التفاعلات الكيميائية في الكون كله...

    لكن بما أن العمليات الكيميائية ما تزال مرئيةً وواقعيةً نعيشها في الكون من سطوع الشمس، ودوران الأرض، وحركة النجوم والأفلاك، فهذا دليلٌ على أن الكون ليس أزلياً، إذ لو كان الكون أزلياً لفقد طاقته منذ أعصارٍ بعيدة، بناءً على هذا القانون فإن الحياة التي تدب في الموجودات، تسير نحو الانكسار والتقويض حتى تنتهي تلقائياً، وتتوقف الحركة ويسود الفناء [17].

    إن الاكتشاف العظيم في هذا القرن هو أن الكون ليس مستقراً ولا أبدياً، كما كان يفترض معظم علماء الماضي، نحن اليوم مقتنعون بذلك تمام الاعتقاد، فللكون تاريخ وهو لاينفك يتطور بتناقض كثافته وابتراده وتشكل بناه، وتسمح لنا أرصادنا ونظرياتنا بإعادة تشكيل {السيناريو} وبالرجوع في الزمن، وهي تثبت لنا أن هذا التطور مستمرٌّ منذ ماضٍ بعيدٍ جداً يقع بين 10 مليارات و 15 مليار سنة وفق التقديرات [18].

    ويصرح "ستيفن هوكنغ" بوجود بداية ونهاية للكون فيقول: إذن ليس مفاجئاً أن يكون الكثير من العلماء غير مبتهجين لهذا الاستنتاج المنطوي على وجود متفردٍ لانفجارٍ أعظم، وبالتالي على وجود بداية للزمن [19].

     هذا هو القرار العلمي الذي توصل إليه الدارسون، وهذا هو الواقع الذي ينطق الكون به، لأن الكون متغير وكل ما قد خضع لقانون التغير والتبدل، فإنه حادث مصيره الفناء ولو بعد حين.

     ونزيد في التأكيد على نهاية الكون من الناحية العلمية، باستعراض نتائج ما استقر في دراسات الباحثين حول هذه القضية، يقول "ستيفن وينبرغ": وسيقف توسعه عند حد يتبعه بعدئذ انكماش متسارع، وستهبط درجة حرارة الخلفية الكونية للفوتونات والنوترينوات[20] ثم ترتفع تبعاً لانتقال الكون من طور التوسع إلى طور الانكماش، وستتغير دائماً بتناسب عكسي مع قدر الكون...وستبدأ الجزئيات في أجواء النجوم والسيارات بالتفكك إلى ذراتها المكونة لها، وستنفصل إلكترونات الذرات عن نواها لتصبح حرة طليقة، ثم تذوب النجوم والسيارات في حساء كوني من الإشعاع... [21].

     وأثناء استمرار هذا التوسع تبتعد المجرات بالتدريج، ويخبو نورها حتى تصبح غير مرئية، وكل مادة منها ما لم تبتلعها الثقوب السوداء ستبرد ببطء حتى تبلغ درجة حرارة الفضاء الصقيعية إلى الأبد...حتماً وهناك في العلم وضع تنبؤات تولد كآبة لا تقل عمقاً عن كآبة موت العالم الحي [22].

    وفي نهاية المطاف يتحول النجم المتقلص إلى بؤرة غير مرئية، يحيطها مجال جذبي شديدة القوة يمتص ويبتلع كل ما يمر جواره من أجسام مادية أو فوتونات ضوئية، أو نجوم هرمة مكدسة ومنكمشة، ويرافق النجم المنهار المتقلص ازدياد في شدة المجال الجذبي قرب سطحه لتصبح أعظم من أي قوة أخرى في النجم، والقادرة على اختفائه من الوجود وتحويله إلى ثقب أسود ذي درجة حرارة عالية [23].

    والإنسان يرى نفسه على مرآة المرصد في النهاية حسب نظرية "أنيشتاين"، على أن الكون مغلق وأحدب أي مكور كالكرة أو البيضة، وكما للكون بداية فإن له نهاية، والمخلوقات والكائنات الحية على الكرة الأرضية تتوالد وتموت ثم تنشأ من جديد، والشمس وكواكبها تسير نحو الهرم، والمجرة جميعها مع مكوناتها من نجوم وسحب كونية وسدم ستنكدر، وتنطفأ جذوتها، وتفقد خواصها، وما سيصيب المجرة سيصيب المجرات الأخرى والتي ستخلق من جديد سيصيبها كلها ما أصاب قبلها من موت وفناء [24].

     يتضح لنا مما سلف من دراسات العلماء، أن الكون صائر إلى نهاية محتومة، وفناء مؤكد، وقد تضافرت أبحاث العلماء حول نهاية الكون، وركزت على تصورين للنهاية الكونية، وقد ذكرناهما في ثنايا سرد أقوال العلماء وهما:

    1- الانكماش العظيم ونهاية الكون: وصاحب هذا الاتجاه هو العالم "ستيفن وينبرغ" والذي أسهب في الحديث عن نهاية الكون، وأنه كما بدأ بانفجار عظيم، كذلك فإنه سيعود وينكمش على نفسه كما بدأ، وقد أثبتنا تصوره هذا آنفاً، وكان قد سجل هذا الاستنتاج في كتابه « الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون» ثم جاء "ستيفن هوكنغ" وأكد هذه الفكرة، وأطلق على نهاية الكون بناء على دراساته الفلكية بـ {الانكماش العظيم} وذلك في كتابه « تاريخ موجز للزمان » ويعتبر هذا الاتجاه من أقوى ما سجل حول نهاية الكون.  

    2- الثقوب السوداء والنهاية الكونية: وهذا التصور حول نهاية الكون، لا يختلف عن سابقه من حيث المضمون، فكلاهما ينص على النهاية الأكيدة للكون، إلا أن الاختلاف ناشئ من جهة الحيثية والملابسات التي تعتري أطوار النهاية.

     ولابد من التركيز قليلاً على قضية "الثقوب السوداء" [25]، لما لها من الأهمية البالغة في دراسات الفلكيين، وكذلك لأن اقتناع عدد ليس بالقليل من العلماء بأن مصير الكون ونهايته إنما سيتم ضمن مقبرة النجوم في السماء، ألا وهي الثقوب السوداء، فما هي تصورات العلماء حول هذه الثقوب ؟ وما هي طبيعتها ؟ وكيف تتم عملية جذب الكواكب والنجوم إلى داخلها وكيف تكون النهاية ؟.

     يقول"ستيفن هوكنغ": وبعد عشرة مليارات سنة أو نحوها، ستكون معظم النجوم في الكون قد احترقت، والنجوم ذات الكتل المشابهة لكتلة الشمس سوف تتحول إما إلى أقزام بيضاء...أما النجوم ذوات الكتل الأكبر، فتتحول إلى ثقوب سوداء، وهذه أصغر من النجوم النيوترونية* وتمتلك حقلًا ثقيلًا شديداً يمنع الضوء، وكل شيء آخر من الخروج منها…ويتجمع في النهاية ليكون ثقباً أسوداً عملاقاً في مركز المجرة، وما قلناه عن مجرتنا ينسحب على المجرات الأخرى، ومهما تكن المادة المظلمة في المجرات ومجموعات المجرات فيتوقع أنها ستسقط في هذه الثقوب السوداء الضخمة أيضاً [26].

    ولقد تنبأت نظرية "أنيشتاين" نفسها في النسبية العامة، أن الزمكان  "الزمان، المكان" بدأ مع الانفجار العظيم، وبأنه سوف ينتهي إما مع تفرد الانهيار العظيم، إذا ما عاد الكون بكامله إلى الانسحاق والتقوض، أو مع تفرد داخل ثقب أسود، إذا ما كان لمنطقة محلية كالنجم مثلاً أن تنسـحق، فأي مادة تقع داخل الثقب، سوف تدمر بالتفرد، ولا يبقى منها أي شيء محسوس سوى تأثير جاذبية كتلتها، من جهة أخرى فعندما تؤخذ تأثيرات الكمّ بالحسبان، وأن الثقب الأسود وكذلك أي تفرد في داخله سوف تتبخر تلاشيا،ً ويختفي في النهاية [27].

     إن هذه الثقوب السوداء التي تبتلع الكواكب والنجوم والأجرام السماوية، وتلتهم الكون بجاذبيتها التي لا يفلت من قبضتها شيء حتى الضوء نفسه يكون لقمة سائغة عندما يقع في شباكها قد أماط العلماء اللثام عن بعض خصائصها العلماء، وهاك هذه الخصائص:

     مراكز معظم المجرات بما فيها مجرتنا درب التبانة، تحتوي على ثقوب سوداء يقدر العلماء وجود حوالي نصف مليون ثقب أسود في مجرتنا.

    - أن حوالي 80 إلى 90 % من الكتلة الإجمالية في الكون، متوارية عن الأنظار على هيئة ثقوب سوداء.

    - حسب بعض العلماء الـوزن النوعي "الكثافة" للـثقب الأسود، ووجـدوا أنـه قد يصل إلى  17800 طن لكل سم مكعب واحد.

    - وزن الإنسان، أي قوة جذبه الواقف على سطح الثـقب الأسـود، سيـصل عندها إلى  113 مليار طن !.

    - إن حد الأمان أكبر من 30000 ميل، فلو اقترب نجم إلى هذه المسافة فيكون قد وقع في فخ الثقب الأسود [28].

    أما عن ماهية الثقب الأسود وطبيعته، فقد وضع العلماء تصوراً نظرياً عن الثقوب السوداء وتخيلات نسجوها من خلال ما توفر لديهم من معلومات مجردة حولها، فقد تصور العلماء سفينة فضائية تقترب من ثقب أسود، كتلته تعادل 10 كتل شمسية، أول ما يلاحظه رواد السفينة تعاظم قوة جذبهم، كلما صغرت المسافة التي تفصلهم عن الثقب الأسود، ينظر الرواد من نافذة مركبتهم فيرون قرصاً حلزونياً مـن الغازات، يدور حـول الثقب الأسود، قام الثقب الأسود بشفطها من نجم قريب، وتنطلق أثناء ذلك دفعات غزيرة من الطاقة، معظمها بشكل أشعة سينية* قوية، تلك الأشعة قوية الاحتراق، التي تمر عبر عضلات الإنسان ولحمه، وكأنها تخترق الهواء لا يوقفها إلا العظم، ينظر الرواد عبر مرصدهم الفلكي المحمول على متن السفينة، فيشاهدون ضوء النجوم البعيدة يحيط بمنطقة داكـنة لا تسمـح بمرور أي شعاع ضوئي، هي ستار مسرح الأحداث  المحيط بالثقب الأسود والذي يقارب قطره 37 ميلاً، إن ما يقع ضمن مسرح الأحداث لا يمكن رؤيته أو سماعه من قبل أي شخص ينظر إليه من الخـارج، أما إذا دخـل المشاهد مسرح الأحداث  عندها يكون قد فات الأوان، انطلاقاً من هذه التصورات وجد العلماء أن قوة الجاذبية الخارقة للثقب الأسود، هي ذات آثار يمكن كشفها، فهي قادرة على أسر نجم قريب ووضعه في مدار حول الثقب الأسود، يطلق النجم المأسور أثناء ذلك إشعاعات قوية، وما على العلماء في هذه الحالة إلا كشف صرخات الاستغاثة التي يطلقها النجم المأسور ليشكل إشعاعات سينية، وفوق بنفسجية [29] كي يستدلوا على وجود الثقب الأسود المتواري عن الأنظار [30].

     وفي إطار دراسات العلماء حول الثقوب السوداء هذا المقال: ساهم ارتفاع مفاجئ للمعان سحابة غازات عالية الحرارة بمركز مجرة درب التبانة، في دعم الفكرة القائلة بوجود ثقب أسود غاية في الشساعة وسط هذه المجرة، ويعتقد غالبية علماء الفلك أن ذلك الشيء يوجد فعلًا هناك، لكن الأدلة المقدَّمة لغاية الآن، والمبنية على تحركات في نجوم مجاورة، لم تصل إلى خلاصات حاسمة، وقد تمكنت عمليات مراقبة أجريت أخيراً لمركز المجرة، من رصد طاقة ناجمة عن وميض من أشعة إكس ظل يلمع ويفتر مدة عشر دقائق، وهذه الفترة إذا ما أضيفت إلى دلائل سابقة تسمح لعلماء الفلك بقياس كتلة وحجم الثقب الأسود المحتمل، وقد كانت المحصلة هي كتلة تفوق مليوني أضعاف كتلة الشمس، ويعتقد العلماء أن التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو وجود ثقب أسْوَد هناك.

     ومن بين النظريات التي تحاول تفسير ما يعتري النجوم الواقعة بمركز المجرة من حركة سريعة، ما يذهب إلى القول بوجود شكل غير مرئي من المادة التي تشبه عنقوداً من النجوم الداكنة، وأيا كان نوع التفسير، فإن ما يوجد هناك له من الضخامة ما يجعله قادراً على جذب أقرب النجوم المرئية بسرعة خارقة تصل إلى خمسة ملايين كيلومتر في الساعة، وما يجعلنا نكاد نجزم بأن ما يجري الجدل حوله هو ثقب أسود، يجد سنده في شيء ما يحدث في أطرافه [31].

 

الإعجاز:

     هذه هي الصورة العلمية التي توصل إليها العلماء والباحثون عن نهاية الكون وفنائه، وقد فندوا بهذا هراء الإلحاد الذي يزعم بخلود العالم وعدم فنائه...

     ومن الملفت للانتباه، بل من المثير حقاً، أننا نجد من خلال سرد ما توصل إليه العلماء في أبحاثهم أنهم قد قرروا أن للكون نهاية، وهذه النهاية صوروها بالانكماش العظيم، أي بانطواء الكون على نفسه، وعودته إلى نقطة البداية وشكله الأولي، أو بالثقوب السوداء التي تقوم بشفط وضغط الكواكب وإعادتها إلى غازات كتلك التي منها نشأ الكون...فكل التصورات العلمية التي تبناها الفلكيون في عصرنا ترسم السيناريو الواضح لنهاية الكون، وارتداده إلى صورته التي كان عليها يوم وجد ونشأ، والله أعلم.

     وليت شعري لو أن هؤلاء العلماء، أو المتخصصين من علماء الإسلام، عكفوا على كتاب الله تعالى ودرسوه من جهة تخصصاتهم دراسة متأنية، لوجدوا الخطوط البيانية والرئيسية التي ترسم أطر النهاية الكونية بكل وضوح...

     إنه التوافق العجيب بين معطيات العلوم الحديثة وحقائق القرآن الكريم، فالعلماء اتفقوا على أن الكون سينتهي على شكل الصورة التي بدأ منها، وهذه الحقيقة لطالما قررها مولانا تبارك وتعالى في كتابه المجيد، قال تعالى:) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِين) [32].

     وقال تعالى:)وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( [33].

     وكيفما كان وجه الصورة لنهاية الكون وتآكله ثم فنائه، ونحن لا نجزم إلا بالصورة القرآنية التي أخذت مساحة كبيرة في القرآن الكريم وهي تقرر حقيقة النهاية، فإن الذي يعنينا من ذلك أن القرار الواضح الذي لم يعد يتسرب إليه شك أو مواربة أن سلطان الفناء والخراب سيمتد ليطوق الكون بأسره، ثم ليحيله إلى العدم، وهذه الحقيقة كما أسلفنا، هي أصل من أصول الدين والعقيدة لدى كل مؤمن، ولقد قررها القرآن الكريم في كثير من الآيات الكريمة، ولنستعرض طائفة من الآيات القرآنية التي تصـور لنا المشهد الأخير من قصة الكون ووجوده في مسرح الحياة الفانية.

     قال تعالى ) إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَت،ْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ… ( [34].                                                                           

     وقـال تعـالى: ) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (   [35]، في هذه الآية إيحاء وتصوير لمشهد الطمس الذي أسلفنا الحديث عنه، ألا ترى أن الكواكب عندما تبتلعها الثقوب السوداء تطمس طمساً فلا ترى أبداً والله أعلم.                                                  

     ويتحدث سيد قطب عن نهاية الكون فيقول: هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهـود والثورة الشاملة لكل موجود، الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية، والوحوش النـافرة والأنعام الأليفة ونفوس البشر وأوضاع الأمور، حيث ينكشف كل مستور، ويعـلم كـل مجهول وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب، وكل شيء من حولها عاصف وكل شيء من حولها مقلوب [36].

     إن هذه الأحداث المرعبة التي تضفي على الكون صورة الخراب والاضطراب، وتجعل من الكون المتساوق في أجرامه، المتسق في حركته وجريانه، المنضبط في مساره، الرصين في إحكام بنائه، تجعل منه أنكاثاً متناثرة، وأوزاعاً متفرقة.

     ويصف الإمام الرازي النهاية فيقول: وتكوير الشمس هو انطفاؤها وخمدان لهيبها وتجمدها وانكدار النجوم وانفراطها من عقدها الفريد، وتناثرها من نظامها الدقيق…أما الجبال، فاعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله، وهو أن أول أهوالها الاندكاك وهو قوله سبحانه: ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَة ) [37]ً.

     والحـالة الثانية: لـها أن تصير كالعهن المنفوش، وذكر الله تبارك تعالى ذلك في قوله: ) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ،وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ( [38] .

   والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله سبحانه وتعالى:)إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (  [39]  .

     والحالة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة مارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسـال الرياح عليها وهو المـراد من قـول الحق سبحانه وتعالى): وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً( [40].

     والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتصيرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها، من بعد حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة، فهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها صيرها مندكة متفتتة وهي قوله: )وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ( [41]. 

     ثم تبين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره فقال سبحانه: ) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً( [42].

     الحالة السادسة: أن تصير سراباً، بمعنى لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد منها شيئاً، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان فيه لم يجده شيئاً والله أعلم [43].

     كذلك فإن الحديث عن السماء يأخذ بالألباب، ويثير الرعب والهلع في النفوس، قال الله سبحانه وتعالى: ) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ( [44].

     وقال سبحانه: ) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ( [45].

     وهكذا فإن كل شيء في هذا الوجود سَيُشيّع إلى مثواه الأخير، ويرقد في كفن الموت، فالحق هزّ المخلوقات التي يضمها الكون بين جنباته هزاً عنيفاً، وأوحى إليهم أن نواميس الدنيا المعهودة وقوانين الحياة المعروضة، والمقاييس التي عشناها وتفاعلنا معها قد سقطت الآن في رحى القيامة، والجميع سيمثل بين يدي الديان، ليحاسب على الصغير والكبير والفتيل والقطمير.

 

   

صورة متخيلة لثقب أسود يشفط الضوء.

bhstar_chandra

 

 

صورة هذه الصورة تمثل أفكاراً حول نهاية الكون.

 

    والسيناريو الذي وضعه العلماء لنهاية العالم سيكون طاقة هائلة قاتمة تنمو وتتوهج إلى كمية كبيرة، بحيث مجرتنا لا يمكن لها أن تبقى متماسكة، والنجوم والكواكب وحتى الذرات لايمكن أن تتحمل القوة الداخلية المتزايدة، وقديماً كان يقال نهاية العالم بالضغط الشديد أما الآن فبالانفجار والتمزق العظيم، ناسا بتاريخ، 3/3/2003.

 

 

نجم يموت وينفث الأشعة الملتهبة من داخله.

    كما أن هذه الصورة تجسيد حي لقوله سبحانه وتعالى: )فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَان) [46]  ، أخذت هذه الصورة من ناسا، والتقطت بتاريخ، 28/6/1995.



[1]  الذاريات، الآية 47.

[2]  الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 17/52.

[3]  أنوار التنزيل، للبيضاوي، 5/241.

[4]  فتح القدير، محمد بن علي الشوكاني، 5/91.

[5]  في ظلال القرآن، سيد قطب، 6/3385.

[6]  مختار الصحاح، فخر الدين لرازي، 1/210.

[7]  لسان العرب، لابن منظور، 8/392.

[8]  نحن والكون، عبد الوهاب سليمان، ص94، وانظر: المجموعة الشمسية ومجال الجاذبية الكونية، الأمين محمد كعورة، ص24.

[9]  أجمل تاريخ للكون، جويل دوروني وآخرون، ص22، وانظر: هل من كائنات عاقلة خارج الأرض، نزار دندش، ص18، وانظر: الكون والطاقة، إعداد المكتب العالمي للبحوث، ص9، وانظر: علم الفلك وفلسفة النسق الكوني، فايز فوق العادة، ص335.

[10]  ستيفن هوكنغ، ملاح بارع يجوب أفاقاً عجيبة في علم الكون والفيزياء، مستنداً إلى موهبة علمية فذة، وسعة أفق خلاقة، ومن الشيق أنه رجل معوق ألزمه مرض أعصابه وعضلاته كرسيه ذا العجلات طيلة العشرين سنة الأخيرة من عمره، الذي بلغ التاسعة والأربعين ومع ذلك فهو يعد أبرز المنظرين في الفيزياء منذ أنيشتاين، ويشغل الآن كرسي أستاذ الرياضيات الذي كان يشغله إسحاق نيوتن في كمبردج. انظر: مقدمة المترجم، ص2.

[11]  موجز في تاريخ الزمان، ستيفن هوكنغ، ترجمة، مصطفى فهمي، ص44، وانظر: علم الفلك العام،مرفت السيد عوض ومصطفى كمال محمود، ص275.

[12]  موجز في تاريخ الزمان، ستيفن هوكنغ، ص142.

[13]  قصة نشوء الكون، مخلص الريس وعلي موسى، دمشق، دار دمشق، الطبعة الأولى، 1990، ص41. وانظر: موسوعة الكون والفضاء والأرض، موريس شربل ورشيد فرحات،ص20  وانظر: طرائف علم الفلك، فيكتور كوماروف، ترجمة عبد الله حبة، موسكو، ص24، وانظر: أحاديث حول اللامرئي، جان أودوز وآخرون، ترجمة، نور الدين عبيد، الطبعة الأولى، 2000، وانظر: احتمالات نهاية الكون، إعداد قسم التأليف والترجمة في دار الرشيد، ص27.

[14]  ترجم هذا الكلام وأخذت هذه الصورة من موقع ناسا الفضائي. 

[15]  ترجم هذا الكلام وأخذت هذه الصورة من موقع ناسا الفضائي.

[16]  ترجم هذا النص، وأخذت هذه الصورة من موقع ناسا:

[17]  انظر: الحرارة والديناميكا الحرارية، مارك وزنماسكي وريتشارد ديثمان، ترجمة، محسن سالم رضوان، ص180، وانظر: الديناميكا الحرارية،  فرانسيس وستون سيرس، ترجمة، رضا جاد جرجس وطاهر مجيد الشريتي، وانظر: الديناميكا الحرارية، أبوت فان هيس، ترجمة، أحمد فؤاد باشا و سعيد بسيوني الجزائر، ص176.   

[18]  أجمل تاريخ للكون، جويل دوروني، وآخرون، ص 16.

[19]  الثقوب السوداء والأكوان الطفلة،سيتفن هوكنغ، ترجمة،حاتم النجدي ،ص 78.

 

[20]   النوترينوات،neutrino ،جسيم أولي من المادة، خفيف الوزن للغاية، وربما من دون كتلة، يتأثر بالقوة الضعيفة وبالجاذبية دون سواهما. انظر: موجز في تاريخ الزمان، ستيفن هوكنغ، ص211.

[21]  الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون، ستيفن وينبرغ، ص198.

[22]  المكان والزمان في العالم الكوني الحديث، ب.د.ديفيس، ترجمة، أدهم السمان،ص205، وانظر: أعماق الكون، سعد شعبان، ص350، وانظر: من الذرة إلى المجرة محمد صالح المحب ص94.

[23]  علم الفلك والكون، عواد الزحلف، ص184، وانظر:عالم المعرفة، النهاية فرانك كلوز، ترجمة، مصطفى إبراهيم فهمي، ص308.

 

[24]  من الذرة إلى المجرة، حمادة العائدي، ص407، وانظر: الكون ذلك المجهول جلال عبد الفتاح، ص122.

[25]  الثقب الأسود "black hole "، جسم فائق التقلص، يملك جاذبية قوية جداً إلى درجة أنها تمنع الضوء نفسه من الإفلات. انظر: الموسوعة الكاملة، 2/56.

[26]   النجم النيوتروني، neutron star، نجم بارد، مدين ببقائه للتنافر بين النيوترونات في مبدأ الاستبعاد. انظر: موجز في تاريخ الزمان من الانفجار العظيم إلى الثقوب السوداء، ستيفن هوكنغ، ص211.

[27]  موجز في تاريخ الزمان من الانفجار العظيم إلى الثقوب السوداء، ستيفن هوكنغ، ص 139.

[28]  الثقب الأسود، محمد رضوان المصري، ص 36، وانظر: الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، سيتفن هوكنغ، ص87، وانظر: الكون هوبرت ريفرز، ترجمة درويش الحلوجي، ص330.

[29]  أشعة فوق بنفسجية Ultraviolet rays ، وهي أمواج كهر مغناطيسية ، لها تردد أكبر من تردد الأشعة البنفسجية، وهي أشعة  غير مرئية تستخدم لأغراض التعقيم ، ولها دور مهم في تكوين فيتامين " د " في الجسم ، ولكن إذا تعرض الجسم لهذه الأشعة لفترة طويلة تؤدي إلى حدوث سرطان الجلد. انظر:  http://www.schoolarabia.net/kemya/general_chemistry/glossary/chem_1/chem.htm     

[30]  انظر: مجلة العربي، مقال لسمير صلاح الدين شعبان، ص 115، وانظر: الثقوب الكونية السوداء فايز فوق العادة، ص175.

[31]  مقال في موقع bbc،  بقلم : دفيد وايتهاوس.

[32]  الأنبياء، الآية 104.

[33]  الروم، الآية 27.

[34]  التكوير، الآيات 1-6.

[35]  المرسلات، الآية 8.

[36]  في ظلال القرآن، سيد قطب، 6/3837.

[37]  الحاقة، الآية 14.

[38]  القارعة، الآيتان 4-5.

[39] الواقعة، الآيتان 4-5.

[40] طه: 105.

[41] النمل: 88.

[42]  الكهف: 47.

[43]  التفسير الكبير، للفخر الرازي، 16/12.

[44]  الروم: 25.

[45]  الأنبياء: 104.

[46]  الرحمن: 37.