النجوم النابضة
بقلم: الدكتور مروان شعبان
في صيف سنة 1968كانت طالبة شابة ترصد السماء بواسطة المقرب اللاسلكي لجامعة كامبريدج في إنكلترا، وكانت الآنسة جوسلين بل مكلفة بدراسة الكتل الغازية مابين النجوم، بواسطة تقنية لاسلكية جديدة، فصودف أن سجلت إشعاعاً غريباً صادراً من منطقة معينة من السماء، وكأنه قلب نابض، فالإشعاع يرسل ويختفي تقريباً كل ثانية وثلث!! وعندما نقلت الظاهرة لمعلميها ظنوا أنهم أمام تشويش آتٍ من مصدر على الأرض.
وبعد بضعة أشهر من المراقبة تبين أن المصدر يتطابق مع موقع نجم وهو صادر عنه، استرعى انتباه المراصد العالمية، وبعد مضي سنة كانت قد اكتشفت ما لا يقل عن 31 مصدر إشعاع من هذا النوع، وتلك المصادر تعمل كالمنارة، إذ يرسل الإشعاع ثم ينخفض تدريجياً ليختفي ثم يعود ويقوى تدريجياً، وكأن مصدر الإرسال يدور بسرعة على نفسه، وكانت بعض المصادر ترسل ما لا يقل عن خمس عشرة نبضة كل عشرين ثانية، وبقي الحدث دون تفسير إلا تفسيره من قبل بعض العلماء كإرسالات مصطنعة من حضارات ذكية ومتقدمة [1].
وعندما وجّه الفلكيون أجهزة الرادار نحو السماء، اكتشفوا أيضاً العديد من المصادر التي تطلق أمواجاً راديوية منتظمة، كما بينت الأرصاد أن المصادر تأتي عادة وسط سديمي، وهذا قاد الفلكيين إلى مسك طرف الخيط لمعرفة حقيقة مصدر النبضات اللاسلكية... إن التفسير الحقيقي لمصدر تلك النبضات يعود للنجوم التي انفجرت في الماضي، وكانت كتلتها أكبر من حد شاندرا سيكار، وأقل من 3 أضعاف كتلة الشمس، وبقيت مخلفات النجوم المتفجرة هذه على شكل أنوية ذات كثافة هائلة جداً، بحيث أدى التجاذب الثقالي في المادة إلى ضغط المادة، بحيث أصبحت عبارة عن نيوترونات، أي تدخل الإلكترونات السالبة إلى أنوية الذرات وتندمج مع البروتونات موجبة الشحنة، فتتحول إلى نيوترونات وهي متعادلة الشحنة، ونعلم كذلك أن نواة الذرة تتكون أيضاً من نيوترونات وهي متعادلة الشحنة، وبذلك تصبح مادة النجم عبارة عن نيوترونات بكاملها، ومادة النجم النيوترونية ذات كثافة عالية جداً، ولذلك سميت بالنجوم النيوترونية Neutron stars.
وعندما حسب الفلكيون كثافة النجوم النيوترونية، وجدوا أنها تصل إلى ما يقرب منه مائة مليون طن في كل سنتمتر مكعب على الأقل، ويبلغ قطرها عادة ما بين 15-30 كلم، وهذه الكثافة الهائلة للنجوم تجعل النجم متماسكاً بقوة، بحيث يدور حول نفسه بسرعة هائلة تصل إلى أكثر من 100 دورة خلال الثانية الواحدة، ولو كانت كثافة النجوم النيوترونية أقل من ذلك، لتحول النجم إلى قطع صغيرة ومتطايرة في الفضاء، ونتيجة لسرعة دوران النجوم النيوترونية حول نفسها تتولد مجالات مغناطيسية هائلة، بحيث تصدر أمواجاً راديوية قوية للغاية [2].
وهذه الحقول المغناطيسية تولد حقولاً كهربائية شديدة، تنتزع هذه الحقول الإلكترونات من سطح النجم وترفع من سرعتها إلى سرعة الضوء تقريباً، ويولد الحقل المغناطيسي لنجم نابض دائر حزمتين ضيقتين من الإلكترونات عند قطبي النجم المغنطيسين، وتبدأ الإلكترونات بإصدار إشعاع "طاقة كهرطيسية" وذلك بسبب سرعتها الهائلة، وفي هذه الحالة يحدث الإشعاع على طول الحقل المغناطيسي، فترسم الإلكترونات بمرورها مسارات حلزونية... تصدر الإشعاعات نتيجة مرور الإلكترونات على طول خطوط الحقل التي تشكّل قرب سطح النجم مخروطاً ضيّقا..ً.
ويدرس علماء الفلك بنية النجوم النيوترونية بالطرق ذاتها المستخدمة لدراسة النجوم الاعتيادية، أي أنهم يستنبطون نماذج رياضية للنجم النيتروني تستند إلى القوانين الفيزيائية، مثل حتمية توازن قوى الثقالة في نجم مستقر مع قوى الضغط، ومن هذه النماذج يستطيع علماء الفلك استنتاج بنية باطن النجم النيوتروني كالكثافة والضغط، وتدل الحسابات على أن النجوم النيوترونية تشتمل على ثلاث مناطق متميزة على الأقل، أولها: الغلاف الجوي الغازي الخارجي الرقيق الذي يبلغ سمكه ميليمتر واحد، تليه قشرة رقيقة – ربما من الحديد- ويبلغ سمكها بضع مئات من الأمتار تقع تحت الغلاف الجوي، ثم كتلة النجم وهي بحر سائل من النيوترونات يقع تحت القشرة [3].
وهكذا تكتمل قصة النجوم الخفيفة، سديم ينكمش، وتعلو حرارته الداخلية، وتشتعل التفاعلات النووية، يحيا المليارات من السنين، ثم عند الشيخوخة يمكنه أن ينفجر بتحوله إلى نجم مستعر يطلق حوله سديماً كوكبياً، والنواة تستمر بالتقلص حتى تشكل نجماً نيوترونياً، وبسبب دورانه السريع وحقله المغناطيسي الهائل، يطلق إشعاعات من كل الأنواع الارتدادية، وتحدث ظاهرة ما تسمى بالنجم النابض...
الإعجاز:
هذا النجم النابض بسبب كثافته الهائلة لو واجه أي جرم أمامه لا بد إلا وأن يخترقه ويثقبه، وأظن أنه لا يوجد تعبير أدق من تعبير القرآن الكريم في وصف هذا النجم، ]وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ [ فهو طارق له طرقات أو نبضات، وهو ثاقب بسبب كثافته الهائلة...


صورة متخيلة لنجم نيوتروني

صورة أخرى متخيلة لنجم نيوتروني
الثقوب السوداء Black Holes
على الرغم من أن أحداً من الناس لم يرَ ثقباً أسود حتى الآن، إلا أنه من الصعب لدى علماء الكون أن يتخيلوا عدم وجود الثقوب السوداء، ذلك لأن الثقب الأسود يعتبر من أفضل الطرق لتفسير تطور النجوم ذات الكتل العالية إلى حالة مابعد النجوم النيوترونية، بالإضافة إلى تفسير ماهو موجود داخل المجرات، أو النقص الملحوظ في كتلة الكون المرئي...
وبمنتهى البساطة فإن فكرة الثقوب السوداء تعني أن قوة الجاذبية تعمل على ارتداد الأشعة التي تصدر من النجم، بحيث ترغمها على العودة إلى النجم مرة ثانية، وبالتالي لا يرى منها شيء، ولذلك لا يمكن أن نرى الثقب الأسود، وقد لوحظ انحراف الضوء المارّ قريباً من الشمس، مما يدل على تأثير قوة الجاذبية للشمس على الضوء، ولذلك يمكننا القول بأن قوة الجاذبية الهائلة التي يمتلكها الثقب الأسود، قد انتصرت على القوى الأخرى لأنها تمنع الضوء من الخروج من النجم، وتعتبر هذه المرحلة مرحلة انتصار الجاذبية.
وتعتبر الثقوب السوداء أشد مراحل حياة النجوم إثارة وإعجازاً، فجاذبيته الرهيبة تجعله يبتلع ماحوله، وفي الثقب الأسود تنعدم المادة وتنقلب القوانين حتى النسبية منها تبقى بعيدة عن تفسير واضح لظواهره، فأي نجم يقترب من مجال هذه الثقوب الكونية سينضغط ويتكثف إلى حد يفوق التصور، بحيث تنعدم بعدها مادته...لذلك تعاونت وكالات الفضاء في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإنكلترا لإطلاق القمر الصناعي المسمى (I.U.E) أي المستكشف العالمي للأشعة الفوق بنفسجية، لمعرفة ظاهرة الثقب الأسود الذي يتوقع بعض العلماء أن يكون قادراً على ابتلاع المنظومة الشمسية والنجوم والمجرات، وقد أطلق هذا القمر الصناعي في 26 يناير 1978 ونجح في مسح القبة السماوية، وسجل العديد من الاكتشافات لأول مرة في تاريخ البشرية منها:
1- تمّ تسجيل أول خطوط طيفية عالية التفاصيل لنجم موجود خارج مجرتنا درب التبانة.
2- تسجيل أول طيف لمنبع خافت الأشعة فوق البنفسجية.
3- الثقب الأسود ينجم عن موت نجم يفوق حجمه 3.5 كتلة شمسنا الأرضية، هذا النجم الميت تتحول كتلته إلى ثقب أسود بعد مروره بمرجلة "السوبر نوفا" أو المتجدد الجبار، حيث يصبح الشكل النهائي لتطور المادة المنعدمة فيه [4].
الإعجاز:
و لا أريد أن أسترسل في الحديث عن الثقوب السوداء، فقد سبق وأن تحدثنا عنها في الفصل الثاني من الكتاب، إلا أن طبيعة الثقوب السوداء تكاد تكون تفسيراً دقيقاً لقوله تعالى: ] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الجَوَارِ الكُنَّسِ[ فالثقوب السوداء خانسة لأنها بطبيعتها مختفية ومستترة، وهي جارية في السماء، كانسة تبتلع كل ما يعتري طريقها من مختلف صور المادة والطاقة، حتى الضوء لا يتفلّت منها إذا دخل في جاذبيها، وما أظن أن هناك وصفاً أدق من وصف القرآن الكريم للثقوب السوداء من هذا الوصف، وهذا يدل على عظمة القرآن الكريم وإعجازه الكوني، وأنه الكتاب الوحيد في الكون الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه...

الثقب الأسود يمتلك قوة كنس الأجرام

إذا وقعت الأرض أو أي جرم في قبضة الثقوب السوداء فستختفي ولن يبقى لها أي معلم، سبب قوة الضغط والجذب...