مواقع وأبعاد النجوم

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

    إن المسافات بيننا وبين النجوم وبين النجوم ذاتها، أكبر من أن تقاس بواحدات المسافة المسخدمة على سطح الأرض، فكيف يتسنى لنا قياس بعد نجم عنا؟.

    إذا أبعد منبع ضوئي عن راصد إلى ضعف مسافته، فإنه يظهر أخفت ويقل لمعانه إلى ربع قيمته الأصلية، وإذا نقل إلى مسافة تبلغ أربعة أمثال المسافة الأصلية، فإن لمعانه يقل إلى 1\16 من القيمة الأصلية، وإذا أمكن معرفة اللمعان الحقيقي للنجم – القدر المطلق – وتمت مقارنته باللمعان الظاهري – القدر الظاهري – يمكن عندها معرفة بعد هذا النجم عنا، غير أن معظم النجوم لا تغير درجة سطوعها من ليلة إلى أخرى، لذا يجب استخدام طرق مختلفة لحساب أبعادها عن الأرض.

    ويعد الاختلاف الظاهري النجمي مقياساً صالحاً لتقدير أبعاد النجوم عنا، بل كان الاختلاف الظاهري للنجوم من الأدلة القاطعة على دوران الأرض، فإذا ما تمّ رصد موقع نجم قريب من مكانين على مدار الأرض خلال ستة أشهر، فإن هذا النجم لا يرى في مكانه وإنما يرى في مكان آخر، يبعد مسافة معينة عن المكان الذي رصد منه سابقاً، ومقدار الإزاحة في النجوم القريبة أكبر من مقدار الإزاحة في النجوم البعيدة، كما يلاحظ من على سطح الأرض [1].

    كما يعمد علماء الفلك إلى عدة طرق لقياس أبعاد النجوم، ولكنهم يستخدمون للنجوم القريبة تقنية التثليث، وهي طريقة تتمثل بإنشاء مثلث تكون إحدى أضلاعه المسافة التي نبحث عنها، والتي لا نستطيع قياسها مباشرة، في حين نستطيع قياس الضلع الآخر التي تمثل قاعدة المثلث، وعملية قياس أبعاد النجوم في الحقيقة أمراً ليس سهلاً, بل هي غاية في الدقة، وذلك نظراً لبعد النجوم عنا، وهناك عدة طرق لقياس بعد النجوم عنا منها طريقة القياس "التزيج parallax " وفي هذه الطريقة يتم رصد النجم من الأرض خلال فترة زمنية معينة، وتصويره كذلك بالنسبة لخلفية النجوم التي تقع على أطرفه، وبعد ما يقارب ستة أشهر يتم رصد النجم نفسه أيضاً وتصويره وتحديد موقعه بدقة بالنسبة لخلفية النجوم، وفي هذه الحالة سيظهر النجم قد انزاح قليلاً بالنسبة لخلفية النجوم، وذلك لأننا نظرنا إلى النجم من خلال زاوية نظر مختلفة نتيجة تحرك الأرض حول الشمس نصف دورة، وبناء على ذلك يتكون لدينا مثلث قاعدته تساوي "300" مليون كيلومتراً، على اعتبار أن بعد الأرض عن الشمس هو نصف قطر قاعدة المثلث وهو 150 مليون كيلومتراً، بالإضافة للرؤيا المقاسة نتيجة انزياح النجم، وبالاعتماد على حساب المثلثات يمكن استخراج بعد النجم عنا [2].

    ولكن هذه الطريقة صالحة فقط للنجوم القريبة التي يصل بعدها إلى "300" سنة ضوئية عن الأرض، أما النجوم البعيدة جداً عنا فإن هذه الطريقة غير دقيقة لاستخراج بعد النجوم، وذلك لصغر قيمة زاوية التزيج عنا، فكلما كانت النجوم أبعد قلّت زاوية التزيج، لذلك تستخدم طرق عديدة أخرى تعتمد على وضعية النجوم وخواصها [3].

    وهناك طريقة أخرى لقياس أبعاد النجوم هي طريقة "المطياف" أي قياس أبعاد النجوم تبعاً لأطيافها، وذلك عند تحليل الضوء القادم من النجوم، فإن المطياف يعطينا شريطاً يظهر فيه طيف النجم المرصود، ومن خلال تقدير كل طيف أو لون يستطيع الفلكيون تحديد بعد النجم عنا، وطيف الضوء هو تحلل شعاعه عند اختراقه لمنشور زجاجي بلوري، إلى ألوان الطيف السبعة المعروفة وهي: الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي...

    ولقد اكتشف علماء الكيمياء منذ أمد طويل أن ضوء الشمس يتحلل إلى ألوان الطيف، ولكن هذه الألوان تتخللها خطوط سوداء دقيقة لم يعيروها أهمية في بادىء الأمر، حتى أتى العالم الألماني "فرنهرفر" ولا حظ تغيّر أماكن هذه الخطوط الرفيعة عند تغيّر مصدر الضوء، وكذلك تغيّر وضوحها بتغيّر درجة حرارة المصدر، من هنا تيسر للعلماء ملاحظة أطياف الأضواء الصادرة من النجوم، فثبت أن النجوم أجسام ملتهبة تحوي العناصر ذاتها المعروفة لنا في الأرض، كالحديد والكالسيوم والأكسجين والهيدروجين والصوديوم، وتيسر لهم من مشاهدة أطيافها تقدير درجات حرارة سطوح هذه النجوم وبعدها، وبناء على درجات الحرارة المقاسة هذه، قسّم العلماء النجومَ إلى أقسام مختلفة، مرتبطة ليس فقط بدرجة حرارتها بل أيضاً بلونها، ما دام اللون أحد دلائل درجة الحرارة [4].

    إذن يمكن أن نجمل القول في هذه القضية فنقول: إن الفلكيين تدرّجوا في قياس أبعاد النجوم بهذه الطرق:

1-رصد النجوم من مكانين مختلفين على سطح الأرض، وقد وجد أن هذه الطريقة لاتصلح إلا للنجوم القريبة فقط.

2-يمكن تقدير بعد النجم من معرفة مقدار الضوء الصادر منه، إذ أن ذلك دون شك يتوقف على المسافة، وعلى جرم النجم نفسه- أي حجمه- وهذا يمكن مقارنة النجوم المعروف بعدها بوسائل أخرى بالنجوم غير المعروفة، إذا عرف مقدار الضوء الصادر من كل منها.

3-كما يمكن تقدير بعد النجم من تحليل الضوء الصادر منه بمنظار الطيف، ومقابلة خطوط الطيف السوداء في طيفها بخطوط الطيف التي في ضوء نجوم أخرى معروفة البعد.

 

الإعجاز:

    إن الآية الكريمة: ]فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ[ تمثلاً إعجازاً قرآنياً رائعاً، وذلك بتعبيرها الدقيق عن مواقع النجوم، ذلك لأن الإنسان أبداً لا يمكن أن يرى النجوم من سطح الأرض، وإنما يرى المواقع التي مرّت بها النجوم، والأثر الذي خلفته وراءها منذ مرورها، والذي يشاهده الإنسان هو ضوء النجوم الذي تركته وراءها، حتى هذا الضوء لا يرى في موقعه الدقيق بالنسبة لنا لأنه ينطلق في كون محدبٍ منحنٍ وليس مستقيماً، والواحد منا يرى من الأرض بشكل مستقيم، ومواقع النجوم مكوّرة منحنية، ولذا فإننا نرى الموقع الوهمي وليس الحقيقي، فضلاً عن رؤية النجم ذاته، فسبحان من سجل هذه الحقائق الناصعة لتكون دليلاً قاطعاً على أن القرآن الكريم كتاب رب العالمين المعجز إلى أبد الآبدين...

 

 

صفحة السماء مليئة بحشد هائل من النجوم والمجرات، والمسافة منضبطة فيما بينها، والإنسان يشاهد مواقعها.

هناك من النجوم ما قد تلاشت واندثرت في مقبرة السماء، إلا أن ضوءها لا يزال يتلألأ في المواقع التي مرّت بها ونزلت فيها، (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)

 

أقدار النجوم الضوئية:

    تتفاوت درجة لمعان النجوم في السماء للناظر إليها من الأرض، وعامل بعد الأرض يدخل في موضوع لمعان النجوم، فالنجوم القريبة منا ربما تبدو أكثر لمعاناً من غيرها نظراً لقربها، وعلى العكس فالنجوم البعيدة يضعف لمعانها- بالنسبة لنا- لبعد المسافة بيننا وبينها، ودرجات لمعان النجوم تعرف باسم "أقدار النجوم" star magnitudes"" ولقد اصطُلح على تقسيم النجوم التي يمكن رؤيتها سواء بالعين المجردة أو التلسكوب إلى (23) قدراً، ونحن لا نستطيع أن نرى بالعين المجردة إلا النجوم التي تنتمي إلى القدر السادس فقط.

    فأقل النجوم خفوتاً التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة تعتبر من القدر السادس، أما التي من القدر الخامس فيزيد لمعانها عنها بمرتين ونصف تقريباً، والتي من القدر الرابع أشد لمعاناً من سابقتها في القدر مرتين ونصف أيضاً وهكذا...

    والأساس في هذا التقسيم أن النسبة بين درجتي لمعان نجمين من قدرتين متتاليين، هو الرقم أو مقياس "لوغار تيمية" وهو: 0.4 وهذا الرقم هو 2.512 وبذلك يمكن تقسيم أقدار النجوم على النحو التالي:

 

قدر النجم

نسبة اللمعان

القدر الأول

100.00

القدر الثاني

39.80

القدر الثالث

15.85

القدر الرابع

6.31

القدر الخامس

2.51

القدر السادس

1.00

   

    ومعنى ذلك أن النجوم التي من قدر معين، تزيد لمعاناً عن نجوم القدر التالي بمقدار مرتين ونصف، فنجوم القدر الأول أشد لمعاناً من نجوم القدر الثاني، وهذه أشد لمعاناً من نجوم القدر الثالث، والرابع، وهكذا، ونجوم القدر الأول تزيد 100 مرة في اللمعان عن نجوم القدر السادس، أي أنه كلما قلّ القدر زاد اللمعان، وعلى هذا المقياس يمكننا معرفة قدر الشمس كنجم، بأنها من القدر "-26.7" [5].

 

ألوان النجوم وحرارتها:

    إن هناك شبهاً كبيراً بين قطعة من الحديد ساخنة ونجم من النجوم، فإذا بدأنا بتسخين قطعة من الحديد فإن لونها يصبح أحمر، ومع استمرار رفع درجة الحرارة يتغير لونها إلى الأبيض والأزرق، وبالتالي فإن شدة لون من الألوان تطغى وتعطي الجسم لوناً غالباً يعكس درجة الحرارة على سطحه، وبالمثال تستخدم هذه الطريقة لتقدير حرارة النجوم بشكل تقريبي، وذلك بالنظر إليها بالعين المجردة، وإن كانت الأطياف تعطينا معلومات أدق...

    تظهر النجوم للناظر إليها بالعين المجردة ذات ألوان مختلفة منها: الأبيض ناصع البياض، ومنها الأصفر، ومنها الأحمر، ومنها الأزرق، وسبب اختلاف اللون هو اختلاف درجة حرارة النجم نفسه، ولذلك استدال العلماء من اللون على درجة الحرارة على سطح النجم، وأقل هذه النجوم حرارة ذات اللون الأحمر، ثم تليها النجوم ذات اللون الأصفر، ثم ذات اللون الأبيض ثم الأزرق، ورغم أن ألون النجوم الأساسية أربعة فقط، إلا أن العلماء قسّموا ألوان النجوم إلى ست مراتب، وقسّموا كل مرتبة منها إلى عشرة أقسام فرعية، أقلها حرارة النجوم ذات اللون الأحمر، ثم تتدرج إلى مراتب الأحمر كالفاتح والداكن ثم البرتقالي ثم الأصفر بمراتبه، كالأصفر الفاتح والداكن وهكذا... حتى نصل إلى النجوم ذات اللون الأخضر، ثم الأزرق ومراتبه، الأزرق الناصع والبنفسجي، فالنجوم الزرقاء هي أشد النجوم حرارة.

    ويمكن تحديد درجة حرارة نجم ما على أساس الطاقة المنتشرة في طيفها، بالإضافة إلى ذلك يمكن الحكم على درجة الحرارة أيضاً على أساس لون النجم، وذلك بالعين المجردة ودون استخدام أي جهاز، ويساعدنا في ذلك سلم الألوان الموضوع من قبل أُوستكوف ostgov كما هو مبين في الجدول التالي:

 

اللون

الدرجة

اللون

الدرجة

أبيض مزرق

-1

أصفر غامق

5

أبيض

0

أصفر محمر

6

أبيض مصفر

1

برتقالي

7

أصفر مبيض

2

أحمر مصفر

8

أصفر فاتح

3

أحمر

9

أصفر صافي

4

أحمر غامق

10

   

    كما يمكن استخدام هذا الجدول في مراقبة النيازك، ومن الطبيعي احتياج خبرة جيدة لاستخدام هذا السلم، ومن الملاحظ أن النجم كلما كان أقرب إلى الاحمرار كان درجة حرارة الفوتوسفير أكثر انخفاضاً [6].

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  علم الفلك، علي موسى ومخلص الريس، ص 28.

[2]  الموسوعة الفلكية الحديثة، عماد مجاهد، ص277.

[3]  علم الفلك، عبد السلام غيث،ص205.

[4]  أعماق الكون، سعد شعبان، ص227.

[5]  أعماق الكون، سعد شعبان، ص222.

[6]  الجغرافيا الفلكية، د.أمين طربوش، ص198