رجع السماء بين القرآن والعلم
بقلم: الدكتور مروان شعبان
قال الله تعالى: ] وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [ [1]
يقسم الحق تبارك وتعالى في هذه الآية المباركة بالسماء، وله سبحانه وتعالى أن يقسم بمن شاء من مخلوقاته، ويصف السماء بأنها ذات رجع، وجاء هذا القسم في سياق سلسلة من القضايا الكونية الضخمة التي تثيرها وتشير إليها سورة الطارق، ولكن ما المقصود بالرجع هنا؟ هل هو فقط ما أشار إليه المفسرون رضوان الله عليهم، من أن الرجع هو رجع المطر بعد أن يتكثف بخار الماء في الجو ويعود مطراً إلى الأرض، أم أن اللفظ يتسع لمدلولات أخرى أعمق من هذا؟ هذا ما سنحاول مناقشته بعون الله تعالى بعد عرض أقوال المفسرين واللغويين في الآية الكريمة.
يورد الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لمعنى الرجع قولين فيقول: قال ابن عباس: الرجع، المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم.
وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها، يأتين من هاهنا [2].
وجاء في تفسير روح المعاني للإمام الألوسي رحمه الله تعالى المعنى ذاته:] ذَاتِ الرجع [ أي المطر في قولهم أيضاً كما في قول الخنساء:
يوم الوداع ترى دموعاً جارية ... كالرجع في المدجنة السارية
قال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كل عام، أو أرادوا بذلك التفاؤل، وعن ابن عباس ومجاهد تفسير السماء بالسحاب، والرجع بالمطر، وقال ابن زيد السماء هي المعروفة والرجع رجوع الشمس والقمر والكواكب من حال إلى حال، ومن منزلة إلى منزلة فيها، وقيل رجوعها نفسها، فإنها ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك منه، وهذا مبني على أن السماء والفلك واحد [3].
وقد أورد أبو حيان الأندلسي في تفسيره "البحر المحيط" معنى آخر للرجع هو الملائكة، فقال رحمه الله تعالى:... وقيل: الرجع، الملائكة، سموا بذلك لرجوعهم بأعمال العباد، وقيل: السحاب، والمشهور عند أهل اللغة وقول الجمهور: أن الرجع هو المطر [4].
وأما معنى الرجع عند أهل اللغة وأصحاب المعاجم، فيتجاوز الرجع حدّ العودة إلى معنى أوسع من ذلك، جاء في "الصحاح في اللغة" للجوهري: رَجَعَ بنفسه رُجوعاً، ورَجَعَةً غيرهُ رَجْعاً، وهُذَيْلٌ تقول: أَرْجَعَهُ غيرهُ، وقولهم: هل جاء رَجْعَةُ كتابك، أي جوابُه والرَجْعُ: المطر، قال الله تعالى: " والسماءِ ذاتِ الرَجْعِ " ويقال ذاتُ النفعِ [5].
وفي تاج العروس للزبيدي: رَجَعَ بنَفْسِه يَرْجِعُ رُجوعاً ومَرْجِعاً، كمَنزِلٍ ومَرْجِعَةً كمَنزِلَة... ورَجَعَ الشيءَ عن الشيءِ ورَجَعَ إليه وهذه عن ابنِ جِنِّي رَجْعَاً ومَرْجِعاً كَمَقْعَدٍ ومَنزِلٍ: صَرَفَه ورَدَّه كَأَرْجعَه، وهذه لغةُ هُذَيْلٍ كما نَقَلَه الجَوْهَرِيّ قال شَيْخُنا: وهي ضعيفةٌ رديئةٌ كما صرَّحَ به غيرُ واحدٍ فلا اعتِدادَ بإطلاقِ المُصَنِّف إيّاها كالمَشهور، قلت: أمّا كَوْنُها لغةَ هُذَيْل فقد صرَّحَ به غيرُ واحدٍ، وأمّا كَوْنُها ضعيفةً رديئةً فلم أرَ أحداً من الأئمَّةِ صرَّحَ بذلك، كيف وقد حكى أبو زَيْدٍ عن الضَّبِّيِّينَ أنهم قرأوا " أَفَلا يَرَوْنَ أنْ لا يُرْجِعُ إليهم قَوْلاً " وقولُه عزَّ وجَلَّ : " قالَ رَبِّ أَرْجِعون " .
وقال الراغبُ في المفردات: الرُّجوع: العَودُ إلى ما كان منه البَدءُ أو تقديرُ البَدءِ مكاناً أو فِعلاً أو قَولاً وبذاتِه كان رُجوعُه أو بجُزءٍ من أجزائِه أو بفِعلٍ من أَفْعَاله، فالرُّجوع: العَود، والرَّجْع: الإعادة، قلتُ: أيّ رَجَعَ كان لازِماً أو واقِعاً فمصدرُه لازِماً الرُّجوع ومصدرُه واقِعاً الرَّجْع يقال: رَجَعْتُه رَجْعَاً فَرَجَع رُجوعاً [6].
إذن نستخلص مما سبق أن من معاني الرجع في اللغة، العود والرد، أي العودة والارتداد، سواء تعلق ذلك بالمطر أو النجوم أو غير ذلك مما سنوضحه الآن بعون الله تعالى من معان أخرى ترتبط بمعنى الرجع للسماء التي أقسم بها الخالق عز وجل، إلا أنني أؤكد قبل عرض بعض الحقائق العلمية المتعلقة بموضوع الرجع، أن لفظة السماء، إنما هي كذلك كلمة واسعة تدل على ما سمانا فعلانا فارتفع فوقنا على الإطلاق، أي هي شاملة للغلاف الجوي الذي يعلونا، وكذلك شاملة لطبقات السماء العليا، التي علمناها والتي لا نعلمها...
الحقائق العلمية:
أولاً: رجع الأشعة الشمسية.
الإشعاع الشمسي بمعناه العام، هو الطاقة الإشعاعية التي تطلقها الشمس في كل الاتجاهات، والتي تستمد منها الكواكب التابعة لها وأقمارها كل حرارة أسطحها وأجوائها، وهي طاقة ضخمة جداً يصيب الأرض منها جزء من ألفي مليون جزءاً من الطاقة، وهذا القدر الضئيل هو المسؤول عن كل الطاقة الحرارية لسطح الأرض وغلافها الجوي، وهو الذي يقصده العلماء عادة عند الكلام على الإشعاع الشمسي كعنصر من عناصر المناخ، ويطلقون عليه لفظ ( إنسوليشن: insulation ).
أما من حيث تركيبه فإنه – أي الإشعاع الشمسي – يتكوّن من عدة أنواع من الأشعة المختلفة في ألوناها وأطوال موجاتها وخصائصها وعلاقاتها بجوّ الأرض وسطحها، وما يحدث فيها من عمليات طبيعية وكيميائية وحيوية، وبما يعيش على الأرض من كائنات حية بمختلف الأشكال والأنواع .
فمن حيث ألوانها فإن الأشعة الشمسية الواصلة إلى جوّ الأرض تضم كل ألون الطيف التي تظهر عند تحليل هذه الأشعة بواسطة منشور زجاجي، أو عند سقوطها على السحب العالية وظهروها بشكل قوس ضوئي ملوّن يعرف باسم ( قوس قزح: rainbow ) وامتزاج ألوان الطيف ببعضها بعد احتجاز بعضها في أعلى الجو، مثل الأشعة الزرقاء والأشعة فوق البنفسجية هو الذي يكوّن ضوء الشمس.
أما من حيث طول الموجات، فإن أطول الموجات هي موجات الأشعة تحت الحمراء وطولها (0.7) ميكروناً[7]، والأشعة الضوئية وطولها كذلك (0.7) ميكروناً، أما أقصرها فهي الأشعة فوق البنفسجية التي يقل طول موجاتها عن (0.4) ميكروناً، وفيما بين هاتين النهايتين فإن الأشعة المرئية التي يتكوّن منها ضوء الشمس موجاتها متوسطة، وهي أكثر الأشعة تأثيراً على حرارة الأرض، وعندما تصل أشعة الشمس عموماً إلى سطح الأرض، فإنه يمتص بعضاً منها ويحوّله من موجات قصيرة إلى طاقة حرارية طويلة الموجات، تنتقل وتتوزع رأسياً وأفقياً، لتزود جو الأرض بالوقود اللازم لكل العمليات التي يتضمنها الطقس والمناخ، والتي ينتج عنها تباين الأحوال الحرارية من مكان إلى آخر، ومن وقت إلى آخر [8].

صورة تبين الغلاف الجوي وطبقاته الرئيسية
تأثير الغلاف الجوي على الطاقة الإشعاعية أو (رجع الأشعة إلى الأعلى).
إن الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى أعلى الغلاف الجوي لا يستطيع أن يصل كله إلى سطح الأرض، لأن نسبة كبيرة منه تفقد عند اختراقها لهذا الغلاف، نتيجةً لارتداد ورجوع بعضه إلى الفضاء بواسطة (الألبيدو الأرضي) وامتصاص بعض آخر منه في الجو بواسطة المواد العالقة وغاز ثاني أوكسيد الكربون...
والمقصود بالألبيدو الأرضي هو نسبة ما يرتد من الأشعة الشمسية نحو الفضاء دون أن يؤثر على جو الأرض أو على سطحها، وأهم العوامل التي تؤدي إلى هذا الارتداد وهي السحب التي تساهم وحدها برد ما يقارب من 23% من الإشعاع الشمسي الواصل إلى جو الأرض، وتليها المواد العالقة بالجو من غبار وبخار ماء، وهي تساهم في مجملها برد 9% من هذا الإشعاع، ويساهم سطح الأرض نفسه برد 2% منه، وعلى هذا الأساس فإن الألبيدو الأرضي يبلغ في جملته 34% من الأشعة الواصلة إلى أعلى الجو [9].
وعلى هذا فإن الغلاف الجوي يرجع ويرد الجزء الأكبر من الأشعة القادمة لكوكب الأرض، وهذا معنى إعجازي لمفهوم النص القرآني الذي يصف السماء بأنها ذات الرجع.

يقوم الغلاف الجوي برجع قسم كبير من الأشعة الشمسية إلى خارج الأرض، ويسمح بمرور الكمية التي تتناسب والكائنات الحية.


صورتان تظهران الرجع الحراري المتوازن المتناسق للغلاف الجوي
ثانياً: رجع الأشعة فوق البنفسجية بغاز الأوزون.
يتألف الغلاف الغازي الطبيعي من نوعين من الغازات هما:
1-الغازات الثنائية الذرات: مثل النيتروجين (Ns) والأكسجين (Os).
2-الغازات الثلاثية الذرات: مثل بخار الماء (H2O) وثاني أكسيد الكربون (CO2) والأوزون (O3)، وبالرغم من أن ما يقارب من 99% من كتلة الغلاف الجوي للأرض تتألف من غازي النيتروجين والأكسجين، إلا أن هذين الغازين خاملان جداً فيما يتعلق بتباعد الإشعاع الحراري بين الأرض والفضاء الخارجي، وتعد الغازات الثلاثية الذرات مهمة جداً في عملية رجع الإشعاع وتوهينه في الغلاف الغازي.
والأوزون غاز ثلاثي الذرة يوجد في طبقة الستراتوسفير على ارتفاع 20-50 كم تقريباً، ويتكون الأوزون نتيجة توفر أكسجين وظروف طاقة شمسية ملائمة، إذ تعمل الأمواج الشمسية التي يقل طولها عن (0.24 مايكرون) على تحليل الأكسجين الجزيئي إلى أكسجين ذري، ويتحد الأكسجين الذري مع الأكسجين الجزيئي بوجود جسم ثالث لامتصاص الطاقة الناتجة عن التفاعل، ويكون هذا الجسم إما ذرة نيتروجين أو ذرة غبار، أي يجب أن يكون هناك تصادم ثلاثي لإنتاج الأوزون، ويكتب هذا التفاعل على النحو التالي:
O2+O+M
O3+M
حيث تمثل M جسم مساعد يعمل عى نقل الطاقة الزائدة الناتجة عن اتحاد الأكسجين مع الأكسجين الذري ليتكون الأوزون...
ويقوم الأوزون المتكون بالمعادلة الموضحة آنفاً، بامتصاص جزء كبير من الطاقة الشمسية في الموجات فوق البنفسجية، وجزء بسيط في الموجات المرئية وتحت الحمراء [10].
وتقدر كتلة الأوزون الجوي بنحو (3200 طناً) أي ما يقارب من جزء واحد من مليون إذا ما قورنت بكتلة الهواء كله، ويمكن تخيل غاز الأوزون على هيئة غلالة رقيقة سمكها المتوسط نحو 4 ملليمترات تغلف الكرة الأرضية على ارتفاع نحو 25 كيلومتراً، وهذه الكمية رغم صغرها بالنسبة لباقي مكونات الجو، إلا أنها تشكل دراعاً واقياً، وحماية هائلة للحياة على كوكب الأرض، نظراً لأنها تقوم برجع وامتصاص جزء مهلك من الأشعة الشمسية فوق البنفسجية، ويبلغ إجمالي الطاقة التي تمتصها جزيئات الأوزون نحو مائة وخمسين بليون بليون سعر حراري يومياً ( الرقم: 15 وأمامه تسعة عشر صفراً ) وهو ما يعادل 4% من كل الطاقة الشمسية الساقطة على سطح الأرض [11].
وهكذا يحمي غاز الأوزون الكائنات الحية على الأرض من أخطار كبيرة، من أبرزها السرطانات الجلدية، وأمراض العيون، وتساقط الشعر، وفي المقابل فإن نقص الأوزون يؤدي إلى وصول كميات كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية إلى الأرض، مما يؤدي إلى زيادة درجة حرارة الهواء السطحي وذوبان ثلوج القطبين، وتمدد مياه البحار والمحيطات، فتتعرض بعض المناطق السطحية المنخفضة لأخطار محرقة، وغير ذلك من الأعاصير والفيضات والكوارث الطبيعية، ولولا وجود طبقة الأوزون التي ترجع الأشعة فوق البنفسجية إلى الأعلى وتمتصها، لأصبحت الأرض صحراء جرداء لا ماء فيها ولا حياة... فلله الحمد على نعمه كلها ما علمنا منها ومالم نعلم.

صورة تبين رجع الغلاف الجوي لكمية كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية
ثالثاً: الرجع اللاسلكي بواسطة طبقة الأيونوسفير ( التروموسفير).
تضم طبقة الأيونوسفير الغازات الخفيفة، خصوصاً الهيدروجين والهليوم، وعند هذه الطبقة تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع حتى تصل إلى 1093 درجة مئوية عند ارتفاع (400 كيلومتراً) ويرجع السبب في ارتفاع درجات الحرارة إلى امتصاص هذه الطبقة للإشعاع الشمسي...وأهمية هذه الطبقات عظيمة في مواصلاتنا اللاسلكية، فأمواج الراديو التي نسمعها من أجهزتنا ترجعها وتعكسها إلينا هذه الطبقة المتأينة [12].
وفي هذه الطبقة يكون الهواء على صورة متأينة، وتعمل الأيونات الكهربائية الموجودة بها على انعكاس وارتداد الموجات اللاسلكية إلى الأرض، ويتم هذا الانعكاس في طبقتين هما: طبقة ((كننللي)) وتعكس الموجات اللاسلكية الطويلة والمتوسطة، وطبقة ((أبلتون)) وتعكس الموجات اللاسلكية القصيرة [13].
وهذا معنى جميل من معاني الرجع في النص القرآني وهو الارتداد، ارتداد الموجات اللاسلكية إلى الأرض، التي تمكننا من سماع ومشاهدة والتحدث بأنواع مختلفة من الأجهزة...

صورة تظهر رجع وارتداد الموجات اللاسلكية إلى الأرض
رابعاً: رجع الأشعة القادمة من أطراف الكون.
تصل إلى الأرض أنواع عديدة من الأشعة الكونية القادمة من كافة مناطق الكون، من النجوم والمجرات، ومن مخلفات الحرارة الكونية الأولى، كما تصل إلى الأرض الأشعة الكونية، وهي عبارة عن جسيمات عالية الطاقة تشتمل على بروتونات وإلكترونات ونوى الهليوم، ونوى بعض العناصر الأثقل من الهليوم، وتنطلق بسرعة تقارب سرعة الضوء، ومعظم هذه الأشعة الكونية قادمة من مستعرّات فائقة متفجرة (أي نجوم السوبر نوفا) ومن نجوم ذات كثافة عالية أي (النجوم االنابضة) ويسقط من هذه الأشعة على غلافنا الأرضي، غير أن الغلاف الجوي يقوم بإرجاعها وردها إلى خارج الأرض، ويصل منها إلى سطح الأرض شيء قليل [14].

رجع وتفتيت الأشعة الكونية

يقوم كل من الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي للأرض برجع الأشعة الشمسية والأشعة الكونية للخارج.

الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي يعملان على حبس وتحريف ورجع الجسيمات الخطيرة عن الأرض.

يقوم الغلاف الجوي بتفتيت النيازك والسماح لها بالدخول إلى الأرض، ورجع أجزاء منها للخارج، وغيرها من الأجسام المدمرة.

خامساً: رجع الماء ( الدورة المائية ).
تغطي المحيطات 71% من سطح الكرة الأرضية، ولذلك فهي تمتص نسبة كبيرة من الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى سطح الأرض، ثم تشع بدورها جزءاً من الطاقة التي تمتصها على هيئة إشعاع أرضي طويل الموجة، أما الجزء الآخر فيستغل في تبخير الماء من أسطح المحيطات، وبذلك يصعد بخار الماء إلى أعلى حاملاً الطاقة التي امتصها عند تحوله من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، وعندما يتكثف بخار الماء في الهواء على هيئة ضباب أو ندى أو سحاب، تنبعث منه تلك الحرارة إلى الغلاف الجوي، وتعتبر تلك الحرارة أحد مصادر طاقة الرياح والعواصف...
وعندما تصل درجة حرارة الهواء إلى نقطة الندى، وهي درجة الحرارة التي يصبح عندها مشبعاً ببخار الماء، يتكثف البخار على شكل ضباب أو ندى أو سحاب أو بلورات من الثلج كالتي توجد في كثير من السحب، ثم تحمل الرياح هذه السحب لتسقط أمطارها على اليابسة، فتغذي الأنهار بالماء العذب اللازم للحياة، ويتسرب بعض الماء الآخر إلى باطن الأرض مكوّناً المياه الجوفية وكل ما تفقده المحيطات من ماء على هيئة بخار يرجع إليها مرة أخرى على هيئة ماء، في دورة ستظل مستمرة مادامت الحياة [15].
وتتلخص الدورة المائية فيما يلي:
1- تبخر حرارة الشمس المياه من أسطح المحيطات، فيصعد البخار إلى أعلى بحيث يتكثف مكوناً السحب.
2- تسقط السحب أمطارها على اليابسة، فتمتلئ الأنهار التي تصب ماءها في البحار.
3- يتسرب الكثير من ماء المطر إلى باطن الأرض بسبب الفتحات المسامية في التربة، حتى يصل إلى طبقة صخرية لا يمكنه النفاذ منها، فيتجمع فوقها مكوناً ما يعرف بالمياه الجوفية.
4- تنساب المياه الجوفية ببطء نحو الأنهار القريبة لتصل عن طريقها إلى البحر [16].


والعجيب أن كمية الأمطار التي تتبخر هي ذاتها تعود إلى الأرض بشكل متوازن بما يعرف بالدورة المائية hydrologic cycle... ويؤكد على هذه القضية علماء الهيدرولوجية التطبيقية فيقولون: إن كمية الماء المتواجد في أي وقت من الأوقات على هيئة بخار تقدر سنوياً بحوالي 380000 كيلو متر مكعب، وحيث إن كمية البخار بالغلاف الجوي تبقى ثابتة تقريباً، فإن كمية المياه المتساقطة على الأرض تساوي الماء المتبخر، غير أن كمية المياه المتساقطة على القارات تفوق بكثير كمية التبخر منها، وبالعكس فإن كمية البخر من المحيطات تزيد على كمية المياه المتساقطة عليها، وحيث إن مستوى سطح البحر لا يتناقص باستمرار فإن المياه الجارية يجب أن تعادل النقص في المياه المتساقطة على المحيطات والبحار، وباختصار فإن الدورة المائية تمثل حركة الماء الدائمة من المحيطات والبحار إلى الغلاف الجوي، ثم ثانية إلى الأرض [17].
وهذه الدورة المائية المعجزة هي تفسير حي لمعنى الرجع في الآية المباركة، ولولا أن الله تبارك وتعالى جعل هذه الدورة بصورتها المستمرة المتوازنة، لتعرضت مياه الأرض للنتن ولفسدت، وحينها تلقى الكائنات الحية حتفها، ولأصبح جو الأرض حارّاً إلى درجة لا تطاق في النهار، بادراً إلى حد التجمد ليلاً...
وما أروع دقة كلام النبي عليه السلام الذي لا ينطق عن الهوى، حينما أثبت قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، أن كمية المياه ثابتة خلال الدورة المائية السنوية، وأن المياه تتوزع بفعل تصريف الحق سبحانه وتعالى لها، حسب حكمته وإرادته، وإذا وقع في منطقة محلٌ وجفاف، وفي منطقة أخرى سيول وفيضانات، لا يدل هذا على أن كمية الماء تغيّرت قلة أو أكثرة، إنما يدل على أن توزيع كمية الماء وتصريف وسوق الرياح للسحاب قد اختلف بناء على حكمة الحكيم الخبير تبارك وتعالى...
الإعجاز:
أظن بل أجزم أن أيَّ منصف حرٍ يقرأ هذا الكلام ويطّلع على جوانب الإعجاز في الآية المباركة ] وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [ لا بد إلا وأن يسجد إجلالاً لعظمة هذا الكتاب المبارك، الذي حوى من المعجزات والآيات ما يدل على أنه كلام الله الخالد، المنـزّل على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين، وإلا فأنى لنبينا محمد عليه السلام هذه المعرفة العلمية وهو يتلو القرآن الكريم ويتحدث عن رجع السماء، وهو كذلك يحدد بشكل دقيق الدورة المائية وتصريف المياه...
[1] الطارق: 11.
[2] تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 5/ 376.
[3] روح المعاني للألوسي، 22/352.
[4] البحر المحيط، محمد بن علي ابن حيان الأندلسي10/465.
[5] الصحاح في اللغة للجوهري، 1/244.
[6] تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد عبد الرزّاق الحسيني، المشهور بالزَّبيدي، 1/ 5246.
[7] الميكرون: 1/1000 من المليمتر.
[8] الجغرافيا المناخية و النباتية ، د. عبد العزيز طريح شرف، ص44.
[9] الجغرافيا المناخية و النباتية ، د. عبد العزيز طريح شرف، ص51.
[10] مبادئ المناخ الطبيعي، د. إبراهيم العرود، ص62.
[11] العلوم الجوية وتطبيقاتها، د. محمد أحمد الشهاوي، ص 56.
[12] الطقس والمناخ، د.عبدالإله كربل، و د. ماجد السيدولي، ص4.
[13] الأرصاد الجوية ونظرة إلى المستقبل، د. حسين زهدي، ص 16.
[14] علم الفلك، د. على حسن موسى، ص 39.
[15] الأرصاد الجوية وعلم المناخ، محمد عبد الرحمن الهوني، وإبراهيم سويدان، ص 108.
[16] المصدر نفسه، ص108، وانظر: علم المناخ، أوستن ملر، ترجمة: د. محمد متولي، د. إبراهيم رزقانة، ص54.
[17] الهيدرولوجيا التطبيقية، د. محمد منصور الشبلاق، ود. عمار عبد المطلب عمار، ص9-10، وانظر: الطبيعة الجوية، د. محمد جمال الدين الفندي، ص23.
[18] الحاكم في المستدرك، 2/ 403، رقم (3520)، ورواه البيهقي، 3/363، رقم (6275).