بناء السماء وأعمدتها
بقلم: الدكتور مروان شعبان
هناك العديد من الآيات القرآنية التي تتحدث عن دقة بناء السماء، وأنها مبنية على أعمدة، وذلك من باب تحصيل الحاصل في المنظور البشري، لأن أيّ بناء يفتقر إلى أعمدة يرتكز عليها ويشتد بها، لكن الحق عز وجلّ قرر أن السماء على ضخامتها واتساعها المهول، وكثرة مجراتها وأجرامها الكونية مبنية على أعمدة غير مرئية، وفي ذلك دليل على طلاقة القدرة الربانية، وعظيم الإبداع والصنعة الإلهية، وحجة ساطعة على أن ما في هذا الكون من دقة وتناسق، وتماسك وبناء محكم، إنما هو من إبداع الحكيم العليم تبارك وتعالى...
وقد وردت آيات كثيرة تدل على بناء السماء وأعمدتها ورفعها وتماسكها منها:
- ]الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[ [1].
- ] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[ [2].
- ]وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ[ [3].
- ] أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ[ [4].
- ]أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا[ [5].
- ]وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا[ [6].
هذا عن بناء السماء، وأما عن الأعمدة التي بنيت عليها السماء، وهي أعمدة غير مرئية، فهناك آيتان كريمتان في ذلك، وسنورد آيتين كذلك تتحدثان عن مسك السموات بقدرة الجبار عز وجل لئلا تقع السموات على الأرض:
- ] اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ[ [7].
- ] خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [ [8].
- ]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[ [9].
- ]إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً[ [10].
والحقيقة أن الآيات في هذا الموضوع كثيرة، غير أننا سقنا بعضاً منها هنا لنبين أن الحق تبارك وتعالى يظهر طرفاً من قدرته للعباد في خلق السموات ورفعها وإحكامها وبناءها، كي يؤمنوا به وينصاعوا لأحكامه، ولا يتنكبوا مسلك الإيمان الذي أمرهم أن يلتزموه...
والآن ما طبيعة هذه الأعمدة التي رفعت بها السماء؟ ماذا قال عنها المفسرون وأصحاب المعاجم؟ وهل كشف العلم الحديث عن سرها وحقيقتها؟ فلنبدأ بالمفسرين إذن...
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه، أنه الذي بإذنه وأمره رَفَع السماوات بغير عمَد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بُعدًا لا تنال ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء...وقوله: ] بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [ روي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة: أنهم: قالوا: لها عَمَد ولكن لا ترى وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة، يعني بلا عمد، وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق...فعلى هذا يكون قوله تعالى:] ترونها [ تأكيداً لنفي ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، هذا هو الأكمل في القدرة [11].
ويقول الإمام الرازي في تفسيره الكبير: السماوات ليست في مكان تعتمد عليه فلا عمد لها وقوله:] تَرَوْنَهَا [ فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى السموات أي ليست هي بعمد وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، والثاني: أنه راجع إلى العمد أي بغير عمد مرئية، وإن كان هناك عمد غير مرئية فهي قدرة الله وإرادته [12].
وفي تفسير النسفي نجد المعنى ذاته: الذي رفع السماوات ] بِغَيْرِ عَمَدٍ [ حال وهو جمع عماد أو عمود ] تَرَوْنَهَا [ الضمير يعود إلى السماوات، أي ترونها كذلك فلا حاجة إلى البيان أو إلى عمد، فيكون في موضع جر على أنه صفة ل] عمد [ أي بغير عمد مرئية [13].
ونقف قليلاً عند سيد قطب لنرى ما يخطه قلمه في الآية يقول: والسماوات أياً كان مدلولها، وأياً كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور معروضة على الأنظار، هائلة ولا شك حين يخلو الناس إلى تأملها لحظية، وهي هكذا لا تستند إلى شيء،مرفوعة ] بغير عمد [ مكشوفة ] ترونها [ هذه هي اللمسة الأولى في مجال الكون الهائل وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني، وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه، ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد أو حتى بعمد إلا الله، وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه...
ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة و من إتقان، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد، وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان [14].
وأما الآيات التي تتحدث عن مسك السموات فنجد في تفسير الشوكاني ما يلي يقول رحمه الله تعالى:] وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض [ أي كراهة أن تقع، وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك، والجملة معطوفة على تجري ] إِلاَّ بِإِذْنِهِ [ أي بإرادته ومشيئته، وذلك يوم القيامة ] إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ [ أي: كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم تفضلاً منه عل عباده وإنعاماً عليهم [15].
ويقول الخازن في تفسيره:]ويمسك السماء أن تقع [ أي لكيلا تسقط ] على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم [ يعني أنه أنعم بهذه النعم الجامعة بمنافع الدنيا والدين، وقد بلغ الغاية في الإنعام والإحسان فهو إذن رؤوف رحيم بكم [16].
ولو فتشنا في معاجم اللغويين عن معنى العمد فسنجد الآتي: العَمودُ: عَمودُ البيت، وجمع القلَّة أعمِدَةٌ، وجمع الكثرة عَمَدٌ وعمدٌ، والعِمادُ: الأبنية الرفيعة، تذكَّر وتؤنَّث. قال الشاعر عمرو بن كلثوم:
ونحن إذا عِمادُ الحيِّ خرَّت ... على الأحفاضِ نمنع من يلينا
والواحدة عِمادَةٌ، وعَمدْتُ الشيءَ فانْعَمَدَ، أي أقمته بعِمادٍ يَعْتَمِد عليه، وأعْمَدْتُهُ: جعلت تحته عَمَداً [17].
يمكننا بعد هذا العرض أن نستخلص ما يلي:
1- السماء مبنية بناء محكماً دقيقاً.
2- السماء مبنية ومرفوعة على أعمدة.
3- هذه الأعمدة التي رفعت السماء حقيقة موجودة لكنها غير مرئية.
4- هذه السماء على ضخامتها مرفوعة لكن قدرة الله تعالى تمسكها وتمنعها من السقوط.
هل توصل العلم المعاصر لمعرفة شيء عن حقيقة تماسك السماء وبناءها؟ وهل تمكّن العلم من الوصول لأدلة تثبت وجود هذه الأعمدة حقاً، الذي يجزم الحق سبحانه بوجودها؟.
الحقائق العلمية:
علمنا من خلال حديثنا عن حبك السماء، أن هناك مجموعة من القوى تحكم وتضبط علاقة الأجرام الكونية مع بعضها وهي:
1- قوة الجاذبية.
2- القهوة الكهرومغناطيسية.
3- القوة النووية الشديدة.
4- القوة النووية الضعيفة.
بالإضافة لحديثنا حول الأوتار الكونية وطبيعتها التي تشكل صورة متناسقة في الدقة والإحكام والإبداع، وكل ذلك لا يمكن أن يكون في كون عشوائي خرب لا بناء له...
كما سبق وأن علمنا أن السماء مليئة بأجسام مضيئة ذات حجوم وأبعاد مختلفة، بعضها يبدو كأنه ثابت لا يتحرك وبعضها يتحرك حركة بطيئة جداً، كذلك تتفاوت هذه الأجرام السماوية في درجة إضاءتها، فبعضها يتلألأ والآخر يرسل ضوءاً خافتاً، والنجوم هي أكبر الأجرام الرئيسية في الكون، فحولها تدور الكواكب والأقمار والمذنبات والكويكبات وغيرها، وشمسنا التي ينبعث منها الدفء والطاقة والنور ما هي إلا نجم عادي مثل سائر النجوم التي نراها في السماء، لكنها قريبة منا بالقياس مع النجوم الأخرى.
وهذه النجوم تكون في حشود وتجمعات ضخمة تتماسك فيما بينها بواسطة أعمدة الجذب التي شاء الحق عز وجل أن تكون عملية الجذب تبادلية فيما بينها، خاصة إنْ كانت النجوم متقاربة في العمر والخواص، وقد أشار العلماء إلى ثلاثة أنواع من الحشود النجمية هي: الحشود المفتوحة والكروية والائتلافية، وبالعودة إلى علماء الفلك نتبينها...
1-الحشود المفتوحة المجرية:
حجم الحشد عشرات قليلة من السنين الضوئية المكعبة، وقد رصد منها عدة آلاف، ويعتقد وجود عشرين ألف حشد في المجرة، وكل حشد يحتوي على أقل من 100 إلى 1000 نجم، وهذه الحشود توجد في قرص المجرة ونجومها يافعة، تحتوي على 1% إلى 4 % من العناصر الثقيلة، وبسبب قلة كثافة النجوم في الحشد يمكن أن تتفلّت وتهرب البعيدة منها.
2-الحشود الكروية:
تأخذ هذه الحشود شكلاً كروياً قد ينبعج بعض الشيء في قليل منها، وكثافة النجوم في هذه الحشود عالية، حتى إن قطر الحشد قد يقل عن مائة سنة ضوئية، ومع ذلك يحتوي على ما يقارب من مليون نجماً، وسرعة حركة نجوم الحشد حول مركزه عالية وتتّبع مدارات شديدة الاستطالة، وبذلك تقطع قرص المجرة مرتين أثناء حركتها، لكن احتمال حدوث تصادم يكاد يكون غير وارد، ونجوم هذا النوع من الحشود تكون هرمة ومستقرة لقلة عناصرها من جهة، ولكثافة النجوم العالية من جهة أخرى وخاصة عند مركزها.
3- الحشود الائتلافية:
هي مجموعات من النجوم الحديثة جداً، تتناثر على مساحات كبيرة بدرجة تجعل من الصعب التعرف عليها بمجرد النظر، ويحتوي الحشد على عشرات قليلة من النجوم، وتبعاً للصنف يقال ائتلف OB أو ائتلاف T تاوري، وحيث إن أثقل نجوم الصنف O تمكث على التتابع الرئيسي فقط ملايين قليلة من السنين، فإن الائتلافات التي تحتويها لابد أن تكون صغيرة العمر، أما نجومT تاوري فهي أصغر وما تزال في مرحلة الانكماش تجاه التتابع الرئيسي...
وتتداخل مع نجوم الائتلاف غالباً كميات كبيرة من مادة ما بين النجوم، في صورة غاز وغبار وسدم، مما يوفر معلومات عن علاقة تكوين النجوم فيما بينها، وقد أوضحت الأرصاد في المنطقة تحت الحمراء أن نجوماً تتكون الآن في كثير من سحب ما بين النجوم الكثيفة، كما تتركز الائتلافات بقوة في الأذرع اللولبية في مستوى الطريق اللبني، حيث تمّ التعرف على ثلاثة أجيال منها [18].
إن هذه الحشود النجمية تقع داخل المجرات وهناك مليارات المجرات في هذا الكون الفسيح، ومجرتنا تحتوي على ما يقل من مليار نجم، وكان من المعتقد إلى عهد قريب أن كل مجرة تسبح في الفضاء بطريقة منفردة عن الأخرى، واكتشف العلماء في أوائل الثلاثينيات أن المجرتين الصغيرتين اللتين تعرفان باسم السحابة الماجيلانية الكبرى والصغرى، واللتين يمكن مشاهدتهما بالعين المجردة من نصف الكرة الجنوبي، هما مجرتان تابعتان لمجرة درب التبانة، ثم اكتشف بعد ذلك أن هناك مجرات قزمية بيضاوية صغيرة تابعة لها أيضاً وتدور حولها، أي إن مجرة درب التبانة لها حقل صغير من المجرات القزمية التي تتأثر بجاذبيتها.
وقد قام العالم الأمريكي (( والتر بادي WALTER BAADE)) عام 1944 بمراقبة دقيقة لمجرة المرأة المسلسلة – أندروميدا – أقرب المجرات الكبرى إلينا حيث تبعد 2.2 مليون سنة ضوئية، للاستعانة بدراستها في التعرف على تركيب مجرتنا، حيث إنها مجرة حلزونية من نوع SAB ومشابهة لمجرتنا، وإن كانت أكبر حجماً حيث تضم 300 ألف مليون نجماً، واكتشف بادي أربع مجرات صغيرة تابعة لمجرة أندروميدا – M31- أي أن لها حقلاً أيضاً من المجرات القزمية التي تتأثر بجاذبيتها، ثم اكتشف بعد ذلك مجرات أخرى صغيرة تابعة لها أيضاً، ثم لوحظ بعد ذلك أن مجرة أندروميدا تقترب منا، وأنها تشكّل مع مجرتنا، والتوابع المصاحبة لهما ما يمكن أن يسمى جماعة صغيرة Group ، ثم أثبت الرصد الفلكي أن هذه الجماعة الصغيرة تنتمي أيضاً إلى مجموعة عنقودية من المجرات الكلوستر cluster تعرف باسم مجموعة المجرات المحلية الكلوستر Local Group تضم واحداً وثلاثين مجرة اكتشفت بعد ذلك.
وتتابعت عمليات الرصد لتظهر أمراً مذهلاً للغاية وهو أن الكون ليس مجالاً للفوضى، وأن كل شيء منسق ومرتب ومنظم بدقة عجيبة، ولن نجد مجرة شاردة، أو أخرى تسبح على غير هدى، أو ثالثة تصدم بمجرة مجاورة، تماماً كما تنتظم ملايين النجوم في مواقع لها داخل كل مجرة في نظام دقيق...
واكتشف العلماء أن هناك مجموعات عنقودية أخرى من المجرات الكلوستر، غير المجموعة المحلية التي تنتسب إليها كنظام أول، وهذه المجموعات تنتظم أيضاً في تجمعات أكبر سوبر كلوستر كنظام ثان، وأن هناك الكثير من هذه التجمعات من حولنا...
ويعتقد العلماء أن هناك نظاماً ثالثاً أي حشوداً فائقة من هذه التجمعات الضخمة – سوبر كلوستر – فكل مجموعة تشكل جزءاً أكبر منها، وكل تجمع يعد جانباً من الحشد الفائق الأعلى منه، كما أن هناك تجمعات أخرى لا أحد يعرف سرها، ولا تستطيع مجرة مهما كان حجمها أن تفلت من هذا النظام أو تخرج من جاذبية المجموعة، إلا إذا كانت هناك جاذبية أكبر منها وتشدها، وقد تلتحم مجرتان معاً ولكن دون أن تصدما، أي تتداخلان حيث يوفق كل نجم فيهما أوضاعه مع جاذبية النجوم القريبة الأخرى وتصبحان مجرة واحدة بعد ذلك [19].
من هنا فإن الحق عز وجل جعل مواقع النجوم والأجرام السماوية الأخرى موضوعة في الخريطة الكونية على أبعاد ثابتة بين بعضها، بصورة تضمن عدم السقوط والتصادم والاضطراب في الأفلاك إلا بإذنه جل جلاله ﴿ ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ﴾ [20].
الحق عز وجل جعل المعادلة قائمة على أساس قانون طردي هو ( قوى التجاذب = طاقة الحركة ) ولو كان أحد طرفي المعادلة على شكل غير هذا لسقطت السماء على الأرض، أي لسقطت النجوم والكواكب التي في السماء على الأرض، واصطدمت النجوم والكواكب ببعضها، وإذا حدث العكس أي لو قلّت قوى التجاذب عن طاقة الحركة لتباعدت الأجرام السماوية بالانفلات من أفلاكها حول شموسها، ولسارت على غير هدى حتى تصطدم بمجموعات نجمية وكوكبية انفلتت هي الأخرى من أفلاكها المحددة لها، وبذلك حفظت من السقوط والتصادم...
إن النصوص القرآنية التي تتحدث عن مسك السماوات والأرض، وعن رفع السماء بأعمدة غير مرئية تُصدِّق ما وصل إليه علماء عصرنا من أن الأجرام السماوية قائمة بغير عمد مرئي، الأعمدة قائمة ولكنا لا نراها ( بغير عمد ترونها ) وهي ليست أعمدة من صخر وحديد وليست أعمدة مادية على الإطلاق، إنها أعمدة الجاذبية التي سخرها الله تبارك وتعالى وفق القانون العام للكون، ليظل كل جرم وكل شي في أبعاد متساوية من بعضها، وكأنها مقامة فوق عمد لا ترونها، إنها حقائق مذهلة نجدها في القرآن الكريم، فهل كان صاحب الرسالة العصماء، ذلك النبي الأمي عالماً من علماء الفلك والرياضيات والفيزياء الكونية ؟؟ الحق أنه لا سبيل للجدال، وليس أمام البشر كل البشر إلا التسليم بأنه وحي من عند الخالق العظيم جل جلاله.
إن العلم يقول: إن قوة الجاذبية هي التي تجعل الشمس تمسك بالأرض فتدور حولها، وهي التي جعلت الشمس تمسك بعطارد والزهرة وكل كواكب المجموعة الشمسية، وجعلتها جميعاً حول الشمس تدور...
وقوة الجاذبية قوة جبارة تعمل على مسك أجرام السماء بعضها ببعض كي لا ينفرط عقدها، والسماوات هي مجموع الأجرام التي حولنا من نجوم وكواكب وأقمار وغيرها، ورفعها بغير عمد ترونها – والعمود هو دعامة تحمل فوقها ثقلاً – أي بعماد من القوى لا تراها أعينكم، لا تراها بالرغم من أنها أضخم وأقوى ما في الوجود، فتأمل أيها الإنسان هذه الأعمدة التي تدعم وتحمل كل هذه الشموس والكواكب التي لا حصر لها والتي يزيد حجمها عن أرضنا ملايين ملايين المرات، وتأمّل القوة التي تمسك النجوم الهائلة والكواكب العديدة التي لا حصر لها، ولا يتصور العقل وزنها، وتربطها ببعضها بعضاً ثم تأمّل هذه المسافات الشاسعة التي تمتد إليها هذه القوة فلا تضعف ولا تعجز عن حمل هذه الأثقال، تعرف قوة الله قدرته تبارك وتعالى [21].
إن هذا الكون الذي يحوي بلايين النجوم وحشوداً هائلة أخرى من الأجرام السماوية وكلها تترابط مع بعضها ترابطاً وثيقاً دقيقاً، تدل بما لا يدع مجالاً للشك على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى، وتدل على أن ما أودعه القرآن الكريم من آيات كونية جاء أساطين العلم ليكشفوا الستار التجريبي عن بعضها، وليلمسوا أسبقية تسجيل القرآن الكريم لما وصلوا إليه...


مجرة حلزونية تحتوي على مليارات النجوم

حشود هائلة من المجرات التي تحتوي على بلايين النجوم، وكلها منضبة متماسكة
وينبغي أن نشير هنا إلى أن ترابط أدق الجزيئات في الكون، هي عبارة عن أوتار ممتدة لها أشكال هندسية، وهذا هو النموذج الحديث للكون الذي عرف باسم ( نظرية الأوتار الفائقة :Super Strings ) ففي عام 1984 تبين للفيزيائي ( جون شوارتز ) والفيزيائي ( مايكل جرين ) أن هناك نظرية وترية معينة استطاعت أن تتضمّن مفهوم التناظر الفائق، وأن تتخلص من كل الحسابات اللانهائية المزعجة، وخلاصة هذا النموذج أن نظرية الأوتار الفائقة ترى ما يلي:
إن الأجسام الأساسية المادية مثل الالكترونات والنيترونات وغيرها، ليست نقاطاً رياضية عديمة الأبعاد بل هي في الواقع أوتار ممتدة أو خيوط لها طول أو امتداد هندسي.
وقد بينت الحسابات الرياضية أنه يجب أن يكون طول هذه الأوتار مساوياً( 10-33 سم) وهو ما يسمى في الفيزياء ( طول بلانك ) وعلى هذا الحساب، فطول الوتر أصغر من قطر نواة الذرة الذي يبلغ (10 – 13سم ) بحوالي ( 10 -20 ) مرة، أي بمليارات مليلرات المرات، وبالتالي لن يتمكن أحد من ملاحظة هذه الأوتار أبداً...
وقد تطلبت الحسابات الرياضية المعقدة حتى تستقيم فكرة نموذج الأوتار الفائقة، أنه لابد أن تصاغ هذه النظرية في عشرة أبعاد رياضية، وليس في الأبعاد الأربعة الزمكانية المعروفة.
وقد تبين أنه بزيادة عدد الأبعاد إلى عشرة، كانت النظرية أكثر بساطة، وهذا المفهوم قد أعاد إلى الأذهان فكرة الرياضي ( كالوزا ) والفيزيائي ( كلاين ) اللذين طرحا فكرة أن البعد الخامس قد يكون ملتفاً أو متقوقعاً على نفسه، ويرى الفيزيائيون اليوم أن هذه الأوتار الفائقة تتحرك في 10 أبعاد، أربعة منها ( الأبعاد الزمكانية الكونية الظاهرة ) والستة الباقية قد تقوقعت والتفت بطريقة رياضية بارعة في فضاءات تجريدية...
وبهذه الرؤيا يؤكد العلماء أنه لا يمكن لنا رؤية الأوتار الفائقة أو الأبعاد العشرة الرياضية، لأن سبر هذا المستوى من الأبعاد والأطوال يحتاج إلى طاقة هائلة جداً تساوي ( 10 19) مليار إلكترون فولت، وهي ما تسمى بطاقة بلانك...
وتقول الحسابات الرياضية: إن هذه الأوتار الفائقة تهتز وتتذبذب بأشكال شتّى، ويعتبر الفيزيائيون أن كل اهتزاز أو ذبذبة لهذا الوتر يمثل صنفاً من الجسيمات، فالإلكترون له شكل اهتزاز معين، والكوارك له شكل اهتزاز معين وهكذا.
ومن هنا يأتي الأمر المذهل وهو أن فيزياء الأوتار الفائقة توحد هذا الجيش الهائل من مختلف الجسيمات بضربة واحدة، فنظرية الأوتار الفائقة تعتبر أن الجسيمات هي عبارة عن تناغمات أو اهتزازات وترية مختلفة صادرة عن الأوتار الفائقة أو الخيوط الممتدة [22].
وخلاصة (الأوتار الفائقة ) أنه تم استبدال فكرة أن الجسيمات الأساسية عبارة عن نقاط رياضية بلا أبعاد، إلى فكرة جديدة وهي أنها عبارة عن خيوط ممتدة أو أوتار لها طول يساوي ( 10– 33) تتحرك في عشرة أبعاد رياضية... إذاً الجسيمات الكونية كلها تنتظم في أوتار وخيوط تلف الكون بأسره...
الإعجاز:
أليس من المدهش والرائع أننا نجد أن القرآن الكريم يسجل حقيقة ترابط الكون بأعمدة غير مرئية، تترابط أجزاء الكون مع بعضها بعضاً بهذه الخيوط غير المرئية والمحبوكة حبكاً في الكون... هل ملك النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام المراقب الفلكية والسوبر كومبيوتر لرصد وتصوير هذه الأوتار، وهل كان عنده فريق من علماء الفيزياء الذين يدرسون قوانين الجاذبية والقوى الأخرى المختلفة التي تضبط نظام الكون ودقته؟ أم أنه إعجاز القرآن، وإخبار وحي السماء، وإنباء الحي القيوم تبارك وتعالى...
[1] البقرة: 22.
[2] غافر: 64.
[3] الذاريات: 47.
[4] ق: 6.
[5] النازعات:
[6] الشمس: 5.
[7] الرعد: 2.
[8] لقمان: 10.
[9] الحج: 65.
[10] فاطر: 41.
[11] تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 4/430.
[12] التفسير الكبير للرازي، 12/264.
[13] مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي، 2/95.
[14] في ظلال القرآن لسيد قطب، 4/351.
[15] فتح القدير للشوكاني، 5/134.
[16] لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن، 4/ 456.
[17] الصحاح في اللغة للجوهري، 1/495، وانظر: مختار الصحاح للرازي، 1/217.
[18] علم الفلك العام، د. مرفت السيد عوض، د. مصطفى كمال محمود، ص 249.
[19] الكون ذلك مجهولة، جلال عبد الفتاح، ص 73.
[20] الحج: 65.
[21] تكنولوجيا الفضاء الكوني، د. عبد العليم خضر ، ص 62.
[22] القرآن والكون أسامة علي خضر، ص 538 وما بعدها.