بقلم: الدكتور مروان شعبان
يرى علماء الجيولوجيا أن الملامح الخارجية والداخلية للأرض في حالة تغير مستمر، منذ أن خلقها المولى تبارك وتعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد تعرضت الأرض بعد تكوينها لعدة عوامل، أدت إلى ظهور ما بسطحها من تضاريس وتفاوت من المناسيب بين بقعة وأخرى، وما زالت هذه العوامل دائبة على تغيير معالم السطح وتشكيله، ويميز الباحثون بين مجموعتين من هذه العوامل تعملان في اتجاهين متعارضين
أولها: العوامل الداخلية أو الباطنية، ومصدرها باطن الأرض ومهمتها البناء، إذ تؤدي إلى بناء التضاريس الكبرى، فتعمل على عدم انتظام السطح وتباين مستوياته، وهي نوعان:
العوامل الداخلية البطيئة: والتي تقوم ببناء القارات والجبال بشكل بطيء يأخذ ملايين السنين، والعوامل الداخلية السريعة: التي تقوم بتغيير مساحة نسبية من القشرة الأرضية كالزلازل والبراكين.
ثانيها: العوامل الخارجية، والمتمثلة في عمليات التجوية والتعرية والترسيب، حيث تقوم بعملية الهدم، أي تعمل على تسوية وجه الأرض، بأن تنحت ما برز منه وتفتته، وتحمل حطام الصخور من هناك، لتلقي بها في البقاع الغائرة، وسنحاول بعون الله تعالى في هذا الفصل دراسة صورة وعامل من العوامل الداخلية البطيئة بين القرآن والعلم، وهذا العامل البنائي هو «الجبال» ...
ورد ذكر الجبال في القرآن الكريم في العديد من الآيات القرآنية، منها ما جاء بصيغة الفرد، «جبل» ومنها ما جاء بصيغة الجمع «جبال» ومنها ما جاء بألفاظ أخرى تدل على أهمية الجبال وعملها، كلفظة «الرواسي» التي تصف عمل الجبال في تثبيت الأرض، حيث شبهت الجبال بالسفن التي ترسو في مياه البحار، كما تحدث القرآن الكريم عن ألوان صخور الجبال، وطرق تكوينها ووتديتها، وغير ذلك مما سنعرض له في مبحثنا هذا بعونه تعالى.
ويستحسن أن نصنف ما ذكره القرآن الكريم عن الجبال إلى مجموعات، تأخذ كل مجموعة دلالة وطابعاً خاصاً بها، ثم نتعرض للمجموعة التي تخصنا هنا بالشرح والتحليل، وهذه المجموعات هي:
أولاً: مجموعة من الآيات التي ذكرت الجبال، في سياق الحديث عن بعض المعجزات التي وقعت لبعض الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، من ذلك ما وقع لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، كما جاء في قوله تعالى:] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ [1].
وما حدث مع موسى عليه السلام:] وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[ [2]، وفي قوله تعالى:] وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ [3].
ثانياً: مجموعة من الآيات تدل على طبيعة الجبال الضخمة، وأوصافها العالية، وهي مقرونة بعدة قرائن سيقت لغرضها منها:
- ] وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[ [4].
- ]وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ[ [5].
- ]وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً[ [6].
- ]وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [ [7].
- ]لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[ [8].
ثالثاً: مجموعة من الآيات تشير إلى منافع الجبال لكل من الإنسان والحيوان، في استخدام الجبال لأغراض متعددة، كاتخاذها للسكن والمأوى وغير ذلك من المنافع، وذلك كما جاء في قوله تعالى:] وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [9]، وقوله تعالى: ]وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [ [10].
رابعاًً: مجموعة من الآيات الكريمة تشير إلى إحساس الجبال الإيماني، وخضوع الجبال وتسبيحها للخالق تبارك وتعالى، كما في هذه الآيات المباركة:
- ] فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ[ [11].
- ]وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ[ [12].
- ] إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ [ [13].
خامساً: مجموعة من الآيات تصف نكبة الجبال وخرابها يوم تقوم الساعة، كما في هذه الآيات الكريمة:
- ] وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [ [14].
- ]وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [ [15].
- ]وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ[ [16].
- ]يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا[ [17].
- ]وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [ [18].
- ]وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ[ [19].
- ]وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً[ [20].
سادساً: مجموعة من الآيات تتحدث عن الجبال في إطار التشبيه، كما في قوله تعالى على سبيل المثال:] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ[ [21].
سابعاً: مجموعة من الآيات تتحدث عن وظيفة الجبال، ودورها في عملية تثبيت الأرض، وجاءت بألفاظ متعددة:
- ]وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ[ [22].
- ] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ [23].
- ]وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ[ [24].
- ]خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ[ [25].
- ]وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [ [26].
- ]وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا[ [27].
ثامناً: آية كريمة تصف حركة الجبال، وتؤكد بأن الجبال ليست ثابتة، إنما هي متحركة بحركة الكرة الأرضية، وهي قول الله تعالى: ] وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ[ [28].
تاسعاً: آية كريمة تتحدث عن ألوان صخور الجبال، وأثر الماء في تعدد هذه الألوان، وهي قوله تعالى: ] َألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ[ [29].
عاشراً: مجموعة من الآيات تصف الارتباط والعلاقة بين الجبال والماء والأنهار، كما في قوله تعالى: ] وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا[ [30].
- ]وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[ [31].
- ]وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ [32].
الحادية عشرة: مجموعة من الآيات تتحدث عن عملية تكوين الجبال وأصل نشأتها، كما في قوله تعالى: ] وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[ [33].
- ]وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[ [34].
- ]وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ[ [35].
- ]خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ[ [36].
هذه لمحة موجزة عن الجبال وتصنيفها والسياق التي وردت فيه، وبعض وظائفها كما تحدث عنها القرآن الكريم، وسنقف عند بعض هذه المجموعات التي لها ارتباط بمبحثنا هذا، ونعرض لما قاله المفسرون وبعض أصحاب المعاجم إن اقتضى الأمر، ثم نورد الحقائق العلمية في ذلك، لنرى مدى التوافقية والانسجام بين ما جاء به كتاب الله تعالى، وما توصل إليه العلم الحديث.
خلق الجبال ووتديتها.
يتحدث علماء الجيولوجيا عن أصل نشأة الجبال وطرق تكوينها، ويرون أن الجبال تنشأ عن طريق الإلقاء من الأعلى إلى الأسفل، وهي الجبال الرسوبية، حيث تتكون مما تجرفه الأنهار والسيول من فتات الحصى وغيره، وتلقيه في المنخفضات والأحواض، ومع مرور ملايين السنين يتشكل الجبل الرسوبي، والنوع الثاني هي الجبال البركانية، التي تتكون بما تلقيه البراكين من الحمم والصهارة البركانية، ثم تهدأ البراكين وتبرد وتتحول إلى جبال، أو جبال انكسارية، تنشأ بسبب انكسار لوح من ألواح القشرة الأرضية، وهذه الأنواع سنأتي على شرحها وتفصيلها، وسنعرض أقوال علماء الجيولوجيا فيها، بعد أن نورد النصوص القرآنية الكريمة التي تحدثت عن نِشأة الجبال عن طريق الإلقاء.
يقول سبحانه وتعالى:] وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[ [37].
وقوله سبحانه: ]وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[ [38].
وقول الله تعالى: ]وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ[ [39].
وقوله جل ثناؤه: ]خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [ [40].
وقوله سبحانه وتعالى: ]وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً[ [41].
تشير هذه الآيات المباركة إلى أصل نشأة الجبال وتكوينها، فهي تكونت في البداية بفعل الإلقاء، والإعجاز العلمي في قوله تعالى:)وألقى( والإلقاء كما نعلم يكون من الأعلى إلى الأسفل كقوله تعالى:)وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى( [42]، وكقوله سبحانه:) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ( [43].
ومن الأسفل إلى أعلى، كما في قوله تعالى:) وإذا الأرض مدّت وألقت ما فيها وتخلّت( [44]، ومن النوعين كانت نشأة الجبال، كما أن الحق يستخدم أحياناً لفظ »رواسي« عوضاً عن «جبال»، وفي ذلك تصريح واضح بأن الجبال هي بمثابة الرواسي للأرض، والتي تثبتها وتقرها، وهي بمثابة الوتد الذي يشد الخيمة لتثبت، وهذا ما سنتعرض له بعون الله تعالى، وفي نظرة لما قاله المفسرون تزداد الصورة بياناً ووضوحاً.
ففي تفسير «روح المعاني»: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي، أي جبالاً ثوابت، من الرسو، وهو ثبات الأجسام الثقيلة، ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها عن ذلك...وأما الارتفاع فله سبب بالذات وسبب بالعرض، أما الأول: فكما إذا نقلت الريح الفاعلة للزلزلة طائفة من الأرض وجعلتها تلاً، وأما الثاني: فأن يكون الطين بعد تحجره مختلف الأجزاء في الرخاوة والصلابة، وتتفق مياه قوية الجري أو رياح عظيمة الهبوب، فتحفر الأجزاء الرخوة وتبقى الصلبة، ثم لا تزال السيول والرياح تؤثر في تلك الحفر إلى أن تغور غوراً شديداً، ويبقى ما تنحرف عنه شاهقاً، والأشبه أن هذه المعمورة قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحار، فحصل هناك الطين اللزج الكثير ثم حصل بعد الانكشاف وتكونت الجبال [45].
وهذا التفسير الدقيق يوضح المعنى العلمي للآية الكريمة لمعنى الإلقاء، ويصف صورة الجبال الرسوبية التي تتكون مما تجرفه السيول والرياح، ليتراكم مع مرور الزمن ويشكل الجبال الرسوبية، وهذا ما توصل إليه العلم كما سنرى.
ويشير الإمام الطبري إلى وظيفة الجبال فيقول: يقول تعالى ذكره: ومن نِعمه عليكم أيها الناس، أن ألقى في الأرض رواسي، وهي جمع راسية، وهي الثوابت في الأرض من الجبال، وقوله: أنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني: أن لا تميد بكم...وذلك أنه جلّ ثناؤه أرسى الأرض بالجبال لئلا يميد خلقه الذي على ظهرها، بل وقد كانت مائدة قبل أن تُرْسى بها...فعن عليّ بن أبي طالب، قال: لما خلق الله الأرض قَمَصَت، وقالت: أي ربّ أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث؟ قال: فأرسى الله عليها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان قرارها كاللحم يترجرج، والميد: هو الاضطراب، يقال: مادت السفينة تميد ميداً: إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار [46].
ويوضح الإمام أبو السعود في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: المعنى العلمي في الآية، وهو أن الجبال لها جذور مغروسة في الأرض تساعد في تثبيت الأرض، وهذه الحقيقة التي يشير إليها أبو السعود، اكتشفها وتاكد العلماء منها بعده بقرون، وما عرفها هو لولا اعتماده على كتاب الله تعالى، يقول رحمه الله: ]وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأٌّرْضِ رَوَاسِىَ[ أي جبالاً ثوابتَ، ]أَن تَمِيدَ بِكُمْ[ كراهةَ أن تميل بكم وتضطربَ، أو لئلا تميدَ بكم، فإن الأرضَ قبل أن تُخلقَ فيها الجبالُ، كانت كرةً خفيفةً بسيطةَ الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو تتحركَ بأدنى سبب محرِّك، فلما خُلقت الجبال تفاوتت حافّاتُها، وتوجهت الجبالُ بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد [47].
وفي تفسير الجلالين:] وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً[ تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد، والاستفهام للتقرير [48].
ويقول الإمام الرازي: المشهور عند الجمهور في تفسير هذه الآية أن قالوا: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء، فإنها تميد من جانب إلى جانب، وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فاستوت، قالوا فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل هذه الجبال [49].
وفي «التفسير البياني»:والجبال أرساها، الإرساء، التثبت والترسيخ، وقالوا: ألقت السفينة مراسيها إذا استقرت، على أن المادة يكثر مجيئها في الجبال، لوضوح الثبات والرسوخ فيها، والقرآن يستغني أحياناً بالرواسي عن الجبال، فيشهد هذا بأن صفة الرسو تبدو أوضح ما تبدو في الجبال [50].
وإذا فتشنا في المعاجم عن معنى «الرواسي والوتد» فإننا نجد: رسا الشيء يرسو رسواً ورسواً، ثبت فهو راس، وجبال راسية وراسيات ورواس، وأرسيته بالألف للتعدية، ورست أقدامهم في الحرب، ورسوت بين القوم أصلحت، وألقت السحابة مراسيها، دامت [51].
ومعنى الوتد في اللغة، الوتد بالكسر والوتد، ما رز في الحائط أو الأرض من الخشب، والجمع: أوتاد، ووتدته أنا أتده وتداً، أثبته [52].
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يخلق الخلق أرسل الريح فنسفت الماء حتى أبدت عن حشفة، وهي التي تحت الكعبة، ثم مد الأرض حتى بلغت ما شاء الله من الطول والعرض، وكانت هكذا تميد، وقال بيده وهكذا وهكذا، فجعل الله الجبال رواسي أوتاداً، فكان أبو قبيس من أول جبل وضع في الأرض [53].
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي (عليه السلام) قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال قالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال: نعم، الحديد، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد، قال: نعم، النار، فقالوا: يا رب فهل من شيء أشد من النار، قال: نعم، الماء قالوا: يا رب فهل من شيء أشد من الماء، قال: نعم، الريح، فقالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح، قال: نعم، ابن آدم تصدق بصدقةٍ بيمينه يخفيها من شماله [54].
يتبين لنا من خلال هذا العرض، ومن معطيات الآيات القرآنية وما قاله المفسرون وأصحاب المعاجم، أن الجبال خلقت عن طريق الإلقاء، من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، وهاتان الطريقتان هما ما نص عليهما علماء الجيولوجيا، أي طرق تكوين الجبال من أعلى إلى أسفل وهي الجبال الرسوبية، ومن أسفل إلى أعلى وهي الجبال البركانية...
وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى خلق الجبال وجعلها بمثابة الوتد الذي يشد الخيمة، والجبال هي بدورها تقوم على تثبيت الأرض كي لا تميد وتضطرب، وهذه الحقيقة الجيولوجية تحدث عنها علماء الجيولوجيا تحت مسمى «وتدية الجبال» فالحق سبحانه وتعالى في معرض الامتنان على عباده، وفي سياق الرحمة التي غمرهم بها يذكرهم بأنه هو الذي جعل الجبال أوتاداً، ووزعها بدقة وحكمة فائقة، مما يساعد على توازن الأرض، بحيث لا تميد ولا تضطرب، فكما أن الأوتاد تثبت الخيمة وتعمل على استقرارها، فكذلك الجبال جعلها الله للأرض كالأوتاد للخيمة.
إذن حقيقتان علميتان في حقل الجيولوجيا سطرهما كتاب الله تعالى، الأولى: طرق تكوين الجبال، والثانية: وتدية الجبال، فماذا قال العلم في ذلك:
الحقائق العلمية:
يتحدث علماء الجيولوجيا عن الجبال فيرون أنها تختلف في ارتفاعها، فمنها ما يقرب من ثلاثة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر، ومنها ما هو أكثر من ذلك، وتتميز الجبال بأنها مرتفعة عما يجاورها من مناطق منخفضة، كما تتميز بانحدارها الشديد فضلاً عن وعورتها...ويطلق على الارتفاعات الجبلية «سلاسل» إذا كانت هذه الارتفاعات على شكل امتدادات متوازية، يتخللها وديان الأنهار أو المنخفضات وغالباً ما تكون تلك السلاسل الجبلية متماثلة في تكوينها الصخري والجيولوجي.
وتكونت الجبال بفعل الحركات الباطنية مثل الالتواءات والانكسارات والبراكين، ولذلك يصنف العلماء الجبال على حسب عوامل تكوينها إلى ثلاثة أنواع هي:
1- الجبال البركانية.
2- الجبال الرسوبية.
3- الجبال الانكسارية، وما يعنينا هنا الجبال البركانية والرسوبية، وما قاله العلماء في أصل خلقهما.
أولاً: تكوين الجبال.
1- الجبال البركانية.
بالنسبة لتكون الجبال البركانية، أي طريقة الإلقاء من أسفل إلى أعلى، فيرى العلماء أنها تتكون من تكدس مواد قادمة من أعماق القشرة الأرضية على سطح الأرض، حول الفوهة التي تخرج منها هذه المواد، وتكون المواد على شكل مواد ذائبة لا تلبث أن تتصلب نتيجة تبردها، وتعمل البراكين على صياغة الأشكال الأرضية، ويمكن للبراكين أن تخرج فوق سطح الأرض، أو يمكن أن تخرج داخل مياه البحار والمحيطات لتشكل جزيرة داخل المحيط، كما هو الحال في كثير من جزر المحيط الهادي، وإذا ازداد خروج اللافا من ارتفاع فوهات البراكين، خاصة عندما تبرد اللافا، فإنها تكون الجبال التراكمية العالية مثل بركان جبل فوجي ياما في اليابان، الذي يزيد ارتفاعه عن «3700 » متراً عن مستوى سطح البحر [55].
كما يشير الجيولوجيون إلى بعض الجبال التي تكونت بفعل ثوران البراكين، التي هدأت ثم تحولت إلى جبال، كتلك التي تمتد مع سواحل البحر الأحمر وغيره، فيقولون: تتكون الجبال البركاني عمودياً من صخور نارية وقد ظهر بعضها نتيجة لثوران البراكين، ونشأ بعضها الآخر نتيجة لارتفاع كتل الصخور الجوفية إلى السطح بفعل الحركات الأرضية، ومن أمثلتها جبال البحر الأحمر في مصر والسعودية، وتأخذ الجبال البركانية غالباً شكل المخروطات التي تتباين أشكالها على حسب كمية اللافا أو الماجما [56] التي كونتها ونوعها...
وتوجد أغلب الجبال البركانية في نفس النطاقات التي توجد فيها الجبال الانثنائية، ولذلك فإنها تكثر على امتداد كل المرتفعات، الممتدة حول المحيط الهادي في الأمريكتين وآسيا، كما تكثر على امتداد النطاقات الجبلية الكبرى عبر أواسط آسيا وجنوبها وغربها، وفي جنوب أوربا وشمال غرب إفريقيا [57].
ومن أنواع البراكين التي تشكل جبالاً، البراكين المركبة وفي بدء الأمر تنتشر من الفوهات والصدوع البركانية لابة حامضية عالية اللزوجة، وهذه لا تنتشر بعيداً بل تشكل جبالاً مخروطية الشكل ذات ميل كبير، ومع مرور الزمن يطرأ تغير على نوع اللابة، حيث تتحول إلى قاعدية نتيجة انبعاث كميات كبيرة من الغازات المضغوطة، ويرافقها كميات كبيرة من الرماد البركاني وتقع معظم البراكين المركبة في المناطق القارية من العالم [58].
2- الجبال الرسوبية:
وأما بالنسبة لتكون الجبال الرسوبية، أي طريقة الإلقاء من أعلى إلى أسفل، والتي تتكون بفعل التعرية أي بسبب الرياح أو ماء الأنهار وغيرها، فقد قسم العلماء الصخور الرسوبية إلى أقسام عدة، والذي يهمنا منها هي الصخور الجيرية، التي تكون الجبال الرسوبية، بفعل إلقاء الرسوبيات والفتات الصخري المهشم في الأحواض، ليكوّن مع مرور الزمن الجبال: تعد الصخور الجيرية من أهم الصخور الرسوبية، وتتكون أساساً من المحارات البحرية، وبقايا هياكل الحيوانات أو النباتات، أو نتيجة لترسيب الجير المذاب في الماء، ويتفاوت سمك طبقات الصخور الجيرية من منطقة إلى أخرى، وقد يصل هذا السمك في بعض الأحيان إلى بضعة كيلومترات، ومن المعروف أن معظم الجبال الالتوائية الموجودة على سواحل البحار والمحيطات، تتكون من صخور جيرية كانت في الأصل إرسابات بحرية، كما هو الحال في جبال الألب في أوروبا، وجبال أطلس الواقعة في شمال غرب إفريقيا، وهناك جبال تتكون من النوع نفسه من الصخور المذكورة، وتقع بعيداً عن المسطحات المائية، ومن أهم تلك السلاسل، سلسلة جبال طويق بالمملكة العربية السعودية [59].
ويشرح العلماء الحوض الترسيبي بقولهم: هو منخفض أرضي طولي الشكل، تترسب فيه كميات كبيرة من الرسوبيات، ويكون عادة عمر المنخفض منذ نشأته وحتى اختفائه عمراً طويلاً، يبدأ الحوض بانخفاض بسيط على سطح الأرض نتيجة الحركات الأرضية، ثم يغطي هذا الانخفاض بالمياه، وبذلك تترسب المواد الرسوبية داخله، بالإضافة إلى الصخور المنقولة من الجوانب والمهشمة بسبب التعرية...تستمر عملية ترسب المواد الرسوبية طالما تزود مياه المنخفض بصخور مهشمة من جوانب المنخفض، وقد تصل الحالة إلى ترسيب كميات هائلة من الرسوبيات والصخور المنقولة، كما تساعد عملية ارتفاع جوانب الحوض على توفير مواد صخرية إضافية تنقل إلى الحوض، أما بالنسبة لجوانب الحوض المملوء بالرسوبيات، فإنها تسلط ضغطاً جانبياً على المواد الرسوبية، وهذا الضغط يؤدي إلى حدوث التحدبات والتقعرات على سطح الرسوبيات، ومثل هذه التضاريس الناتجة هي ما نسميه بالسلاسل الجبلية [60].
ويصف العالم الجيولوجي ليون موريه [61] تكوين الجبال بكلا الطريقتين المذكورتين فيقول:من السلاسل الجبلية، سلاسل المقعرات الأرضية، والتي تنجم عن انضغاط حفر الترسب الكبرى بفعل حركات تماسية، والتي دعيناها المقعرات الأرضية، والتي تراكمت فيها خلال حقب طويلة ثخانات كبيرة من روسوبات بحرية عميقة، ويكون توافق المظاهر البحرية العميقة مع المناطق الملتوية هو قاعدة عامة ، بحيث أمكن القول: أن السلاسل الجبلية تتشكل دوماً فوق موقع المقعرات الأرضية، كما يمكننا اعتبار طيات القاع كرد فعل للحركات التماسية التي تبقى لوحدها في الأصل، ففي حين الانضغاط الأقصى على مقعر أرض ما، فإن مشارف المنطقة تتحدب بتأثير الجهد وتعطي مقعداً من طيات القاع، يؤدي كما تؤدي موجة قاع بحرية إلى نهوض قارة برمتها، وتأتي اندفاعات بركانية تؤدي إلى نشوء الجبال [62].
ثانياً: وتدية الجبال.
أما بالنسبة لوتدية الجبال، ودورها في تثبيت القشرة الأرضية، فقد سبق وأن تحدثنا في المبحث الأول من الفصل الأول عن تركيب كوكب الأرض، ومرّ معنا أن الأرض حين انفصلت عن الشمس كانت كتلة نارية تبردت قشرتها بعد ذلك وتحولت إلى يابسة وبقي لبها ملتهباً تصهر حرارتها جزءاً كبيراً من الصخور، مما يجعل اليابسة طافية على الهارة اللزجة، تماماً كالسفينة الطافية فوق الماء، ولكي تحتفظ اليابسة بتوازنها فوق الماء جعل الله سبحانه وتعالى الجبال كالأوتاد المغروسة في الطبقة المصهورة، لئلا يحدث هناك انزلاقات قارية تفضي إلى هلاك الكائنات الحية ودمارها...
وهذه الحقيقة العلمية أصبحت من المسلمات لدى علماء الجيولوجيا، فهم يعتقدون أن للجبال جذوراً يغطس جزء كبير منها في الطبقة اللزجة السيما – الطبقة الثانية من الأرض وهي لزجة- الثابتة بعد القشرة، ويبلغ جذر الجيل في المتوسط ما يقارب ثمانية أمثال الجزء الظاهر من هذه الكتل فوق سطح الأرض، وهذا يعني أن جبلاً ارتفاعه ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر يجب أن يكون غاطساً «24» ألف متر، أي أن لهذا الجبل جذراً كالوتد متعمق في طبقة السيما اللزجة...
إن هذه الجبال تشبه تماماً الجبال الجليدية التي تطفوا فوق سطح الماء في البحار والمحيطات القريبة من القطبين، وتحتفظ بتوازنها فوق الماء وكذلك الجبال، فالأجزاء الغاطسة في طبقة السيما، وخاصة تحت الجبال، هي عبارة عن جذور وأوتاد أو مراسي، تحفظ توازن الأجزاء الظاهرة في قشرة الأرض [63].
يقول الدكتور زغلول النجار [64]:إن الجبال لا تنتصب شامخة على سطح الأرض فحسب، ولكنها تمتد في أعماق الغلاف الصخري للأرض، وتظل الجبال مرتفعة فوق ما يحيطها من الأرض، لأنها تطفو في نطاق الضعف الأرضي شبه المنصهر اللزج والأكثر كثافة، وتكون لها جذور غائصة في الأعماق قد تصل إلى أضعاف ارتفاعها عن سطح الأرض من عشرة إلى خمسة عشر ضعفاً، بناءً على كثافة المادة التي تتكون منها الجبال، وكثافة المادة التي تطفو فيها...
وعملية الطفو هذه تساعد الجبال على أن تظل في حالة توازن تضاعفي مع محيطها، وتفسر عدداً كبيراً من الظواهر والأشكال الأرضية التي تشاهد في المنطقة، والحقيقة أن كلاً من الدراسات الاهتزازية الزلزالية وبيانات الجاذبية الأرضية، تدل على أن قشرة الأرض القارية تكون أسمك ما يمكن تحت أكثر الجبال ارتفاعاً، وأن قشرة الأرض تحت قيعان المحيطات، تكون دائماً أقل سمكاً وأعلى كثافة منها في القارات [65].
ويعتقد العلماء أن حجم الجزء المتعمق من طبقة السيال في طبقة السيما، يفوق كثيراً الجزء المرتفع من كتل القارات نفسها، ويطلق على الجزء المتعمق من السيال اسم جذور القارات، ويبلغ نحو ثمانية أمثال الجزء الظاهر فوق طبقة السيما، وعلى ذلك فإن الجبال فوق القارات بارتفاعها الشاهق وبجذورها العميقة، تشبه الأوتاد التي تثبت سيال القارات في سيما الأرض، وبذلك تحتفظ القشرة الأرضية بالتعادل بين مرتفعاتها ومنخفضاتها، فيما يسميه العلماء بالتوازن الاستاتيكي للأرض [66].
وفي كتاب «من الآيات العلمية»: أثبتت الدراسات أن كل قارة بها جبالها التي تتميز بها، وأن هناك سلسلة من الجبال موزعة على سطح الأرض توزعياً دقيقاً محكماً، وأن ارتفاع الجبال يتناسب ومكانه من الكرة الأرضية، ونوع الصخور المكونة له، وطبيعة الأرض من حوله، وبما أنه توجد بعض الجبال التي لا يزيد ارتفاعها على ألف متر، فهناك مثلاً «جبل افرست» في سلسلة جبال الهمالايا الذي يقرب ارتفاعها من تسعة آلاف متر، ووجد كذلك أن الجبال الثقيلة دائماً أسفلها مواد هشة وضعيفة، وأن تحت المياه توجد المواد الثقيلة الوزن، وذلك حتى تتوزع الأوزان في المناطق المختلفة للكرة الأرضية، ووجد العلماء أن هذا التوزيع يتمشى مع مرونة القشرة الأرضية ودرجة حرارتها، ثم كانت الحقيقة العلمية القاطعة التي وصل إليها العلماء والتي تقرر، أن توزيع الجبال على الكرة الأرضية إنما قصد به حفظها من أن تميد إلى الشمس أو تحيد عنها، وأنها فعلاً السبب الأول والرئيسي لحفظ توازن الأرض، فكأن الجبال هي أوتاد للأرض تحفظها في مكانها وتحفظ عليها حركتها [67].
ونذيل مبحثنا هذا بلطيفة ذكرها القرآن الكريم في سياق الحديث عن الجبال وهي: أن القرآن الكريم ربط بين الجبال وبين الفجاج والسبل التي يهتدي بها الناس، في ظعنهم وترحالهم يقول الله تعالى:] وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[ [68]، ويقول سبحانه وتعالى: ]وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ[ [69].
إن الأودية والشعاب تنتشر بين الجبال، وقد كانت ولا تزال طرقاً تسلكها القوافل سابقاً، والطرق المعبدة والسكك الحديدية في عصرنا الحاضر، والمسافرون يهتدون بهذه الأودية والفجاج إلى البلاد التي يقصدونها، ومثالاً على ذلك كان العرب يسلكون في سفرهم من الحجاز إلى العراق وادي الرمة، الذي يبدأ قرب المدينة المنورة وينتهي في جنوب العراق، وكذلك يسلكون وادي الفرع أو وادي العيص، غرب المدينة المنورة في سفرهم من مكة المكرمة إلى بلاد الشام.
الإعجاز:
هذا طرف من الحديث عن نشأة الجبال الرسوبية والجبال والبركانية…ورأينا كيف أن الجبال الرسوبية تتكون مما تلقيه الأنهار والرياح بعد عملية الحت والتعرية في اليابسة، وثوران البراكين في قاعات البحار والمحيطات، لتكوّن بعد ذلك الجبال أليس هذا إلقاء ودليلاً على عظمة القرآن الكريم وهو يثبت هذه الحقيقة الجيولوجية الرائعة )وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ(، وما الجبال البركانية إلا أجسام ضخمة مؤلفة من صخور، وفتات بركاني قذفتها فوهات البراكين بشدّة، ثم تساقطت على أطرافها وتراكمت فكانت الجبال، أليس هذا كذلك إلقاءً ؟، ألقاه الله من البحار والبراكين لتتكون الجبال، فسبحان من أشار إلى هذه الحقيقة الرائعة وسجلها في كتابه لتكون سابقة في مضمار إثبات الحقائق العلمية، فقال تقدست أسماؤه:) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ (.
كذلك فإن حقيقة وتدية الجبال تحدث عنها القرآن الكريم في العديد من الآيات المباركة، ثم يأتي العلماء ليكتشفوا أن الله سبحانه وتعالى جعل الجبال مغروسة في طبقات الأرض ليتسنى للعباد أن يعيشوا على ظهرها، إنه السبق القرآني في إثبات الحقائق العلمية، فسبحان من ثبت لنا الأرض بالجبال لننعم بوافر السعادة، ونتفيؤ ظلال الرحمة الربانية، إنه إعجاز القرآن الرائع، وصدق ربُّ العزة القائل: ) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ( [70].

صورة يتضح فيها قوة تدفق الأنهار، وترسيب ما تحمل معها من فتات صخري في المنخفضات، لتتشكل بعد ذلك الجبال الرسوبية.

صورة بعد أن يخمد هذا البركان، يتحول إلى جبل، وهذه هي طريقة تكوين الجبال البركانية، من الأسفل إلى الأعلى.

صورة تمثل عملية الحت والتعرية لتكوّن بعد ذلك الجبال الرسوبية.

صورة كذلك فإن هذه الصورة توضح عمليت الحت والتعرية، التي يعقبها جبال رسوبية.

صورة بركان نشط يقذف الحمم من داخله، ويلقي بالأحجار وغيرها لتكوّين الجبال البركانية.

صورة بركان يتحول في المستقبل إلى جبل بركاني
[1] البقرة: 260.
[2] الأعراف: 143
[3] الأعراف: 171
[4] الرعد: 31.
[5] إبراهيم: 46.
[6] الإسراء: 37.
[7] الكهف: 47.
[8] الحشر: 21.
[9] النحل: 81.
[10] النحل: 68.
[11] الأنبياء: 79.
[12] سبأ: 10.
[13] ص: 18.
[14] المرسلات: 10.
[15] الواقعة: 5.
[16] القارعة: 5.
[17] المزمل: 14.
[18] المعارج: 9.
[19] التكوير: 3.
[20] ) الحاقة: 14.
[21] النور: 43.
[22] فصلت: 10
[23] الرعد: 3.
[24] الأنبياء: 31.
[25] لقمان: 10.
[26] النازعات:31.
[27] النبأ: 7.
[28] النمل: 88.
[29] فاطر: 27.
[30] المرسلات:27.
[31] النحل: 15.
[32] الرعد: 3.
[33] النحل: 15.
[34] ق: 7.
[35] الحجر: 19.
[36] لقمان: 10.
[37] النحل: 15.
[38] ق: 7.
[39] الحجر: 19.
[40] لقمان: 10.
[41] النبأ: 7.
[42] طه: 69.
[43] النمل: 10.
[44] الانشقاق: الآيتان 3-4.
[45] روح المعاني، للألوسي، 13/113، وانظر: الفتوحات الإلهية، سليمان بن عمر العجيلي، 1994، 4/315.
[46] جامع البيان، للطبري، 14\ 62، وانظر: تبصير الرحمن وتيسير المنان، علي بن أحمد المهائي، 2/31.
[47] إرشاد العقل السليم، لأبي السعود، 5/94، وانظر: تفسير غريب القرآن، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، ص242.
[48] تفسير الجلالين، ص779، وانظر: التسهيل لعلوم التنـزيل، محمد بن أحمد الغرناطي ، 2/444.
[49] التفسير الكبير، للفخر الرازي، 20 \ 192، وانظر: السراج المنير، للخطيب الشربيني، 4/80.
[50] التفسير البياني للقرآن، عائشة بنت الشاطئ، ص152.
[51] المصباح المنير، للمقري، 1/227.
[52] لسان العرب، لابن منظور، 3/445.
[53] الدر المنثور، للسيوطي، 8/390.
[54] رواه الترمذي في سننه، رقم:( 3369)، 5/454، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، ورواه أبو يعلى، أحمد بن علي أبو يعلى الموصلي، تحقيق، حسن سليم أسد، ، 7/286.
[55] المدخل إلى علم الجغرافية الطبيعية، د. حسن أبو سمور، د. علي غانم، ص135. الجغرافيا العامة، د. أحمد الجلاد، ص38، وانظر: كوكب اسمه الأرض جورج جامو، ترجمة، الدكتورة هذارة، القاهرة، ،، ص110، وانظر: الأرض وأسرارها، جورجيت بارتلمي، ترجمة، ميشيل خوري، ص40، وانظر: كوكب الأرض، ص44، وانظر: موسوعة عالم المعرفة ، 4/321.
[56] (صهير الماجما أو اللافا: يعتبر صهير الماجما مصدراً لتكوين الثروة المعدنية، وهذا الصهير عبارة عن خليط من عناصر مختلفة، وينتج الصهير المعادن بالتجمد والتصلب والإحتكاك). الجغرافيا الإقتصادية د. محمد محمود الدين، ص 552.
[57] المقدمات في الجغرافيا الطبيعية، د. عبد العزيز طريح شرف، ص207، وانظر: الجغرافيا للجميع، هاني العزيزي، ، ص112، وانظر: أسس الجغرافيا العامة، د. محمد أحمد عقلة المؤمني، ص46.
[58] أساسيات الجيولوجيا، د. ميشيل كامل عطا الله، ص121، وانظر: أسس الجغرافيا العامة، د. جودة حسنين جودة، ص126.، وانظر: الجبال البركانية، ترجمة: د. علي ناصيف، 1999، ص94.
[59] علم الجغرافيا، د. محمد محمود محمدين، ود. طه عثمان الفرا، ص111، الله والكون، محمد جمال الدين الفندي، ص223، وانظر: ما هي الجيولوجيا، وليم ماثيوز، ترجمة مختار رسمي ناشد،ص220، وانظر: الجيولوجيا والكائنات الحية، دولت عبد الرحيم إبراهيم، ص18، وانظر: علوم الأرض والبيئة، فتحي أبو ناصر، ص60.
[60] الجيولوجيا للجميع، عادل حاتم جوزي، ص74، وانظر: قواعد الجغرافيا العامة، د. جودة حسنين جودة ود. فتحي محمد أبو عيانة، ، ص80، وانظر: الجغرافيا الطبيعية والخرائط: د. جودة حسنين جودة، ، ص86، وانظر: موسوعة عالم المعرفة، إعداد ونشر نوبليس، 4/321.
[61] (ليون موريه، يحتل مكانة مرموقة بين علماء الجيولوجيا، بل يعد صاحب مدرسة جيولوجية قائمة بذاتها، وهو عضو المجمع، وعميد فخري لكلية العلوم، وأستاذ في المعهد العالي الوطني للهيدروليك في غرينوبل). الوجيز في الجيولوجيا، ليون موريه، ترجمة، يوسف خوري وعبد الرحمن حميدة، مقدمة المترجم، ص9.
[62] الوجيز في الجيولوجيا، ليون موريه، ص572 .
[63] الكون والأرض والإنسان، رجاء عبد الحميد عرابي، ص184، وانظر: أساسيات علم الأرض، الجيولوجيا الفيزيائية، محمد بن عبد الغني عثمان مشرف، ص516.
[64] (الدكتور زغلول النجار، مصري الجنسية، حاصل على الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية في علم الجيولوجيا عام 1963، حاضر في العديد من الجامعات العربية والغربية، ويرأس مركز البحوث القرآنية في لندن حالياً، ويعتبر الدكتور زغلول من أبرز من تكلم في قضايا الإعجاز الجيولوجي في القرآن الكريم باعتدال.
[65] المفهوم العلمي للجبال في القرآن الكريم، د. زغلول النجار، ص52.
[66] مورفولوجيا سطح الأرض، د. فتحي عبد العزيز أبو راضي، ص112.
[67] من الآيات العلمية، عبد الرزاق نوفل، ص57.
[68] النحل: 15.
[69] الأنبياء: 31.
[70] فصلت: 53.