الإسلام دين العلم

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

    من أجلِّ ما أقرّ به القاصي والداني، أن الإسلام دين يحترم العلم ويدعو إليه، بل يفرض على معتنقيه أن يتزودوا من العلوم النافعة التي تؤهلهم للكشف عن أسرار الكون والحياة، والاستفادة من خيرات الأرض وما حوت، وذلك بدراسة العلوم الكونية، فضلاً عن العلوم الشرعية التي تنور لهم سبل حياتهم الدنيوية والأخروية، ولذلك كان لزاماً على أبناء الأمة أن يعرضوا الإسلام بصورته المضيئة التي تؤكد على وجود مؤشرات قرآنية واضحة، تنسجم مع حقائق العلم القطعية التي يكتشفها العلماء، حتى يتبين للجميع أن ديننا يدعم مواكبة المستجدات ويؤكدها، طبعاً بشروط وضوابط سترد في ثنايا هذا المدخل.

    ومما تميز به الإسلام عن غيره من الشرائع السماوية، أنه توج رسالتـه بالعلم، وأول كلمة نزلت من السماء إلى الأرض وعلى قلب النبي الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) هي كلمة )اقرأ( [1]، فكانت تاجاً وضعه الحق تبارك وتعالى فوق رأس هذه الأمة، فكان الإسلام بهذا مفرق الطريق، أو مفصلاً في تاريخ الإنسانية، لظاهرة العلم التي برزت فيه وحركة النشاط الفكري التي دفعت المجتمع البشري الذي نزل فيه الإسلام إلى الأمام فضلاً عن مزاياه الأخرى المتعددة.

     والمعيار الدقيق لكمال الإنسان أو نقصانه، بيّنه الحق عز وجل بقوله: ) قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ( [2]، وأولى القرآن الكريم العلم وأهله مكانةً سامية بقوله: ) يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ( [3].

      غير أن الحق تبارك وتعالى وضع تصوراً دقيقاً وأساساً واضحاً ينهض عليه العلم وتشاد عليه ركائزه، وأول هذه الركائز، التدبر في معرفة العلم الذي ستأخذه وذلك عندما قال الله تعالى:)وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً( [4] والاقتفاء هو التتبع و)ما( من أدوات الشمول والعموم، أي عموم ما لم تعلم حقيقته وتدرك كنهه وتتبصر فيه الغث من السمين لا تتبعه، وما ذلك إلا لأن الأدوات التي تتحصل من خلالها على العلوم والمعارف ستسأل عنها يوم القيامة، كما قال تعالى:) إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا( ومنهج القرآن متفرد في هذا الصدد، لأنه يحث الناس على اقتفاء العلم النافع وهجر ما لا ينفع، ومن هنا كان يقول النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم): (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) [5].

     وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحق تعالى لا يقبل إيمان عبد قد اكتسبه بوسيلة المحاكاة والتقليد للآباء والأجداد، دون إدراك حقيقة الإيمان الذي ينبع من معين العلم والعقل والطاقة المبصرة النيرة والولاء المطلق لرسالة الاسلام، قال تعالى: ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ( [6].

    بل إن القرآن قد جعل الإيمان ثمرة من ثمرات العلم الحق، لأن الأصل في الطريق إلى الله وإلى الإيمان هو العلم، قال تعالى:)فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ( [7] فالعلم قد تقدم على التوحيد، لأن صاحب العلم الحق يقوده علمه إلى مراتع الإيمان ورياض التوحيد، أما العلم الذي يجعل صاحبه خاضعاً لنـزوات الحمأ المسنون لديه، وعقله تبعاً لعصبياته وأهوائه، فإنه يوم القيامة من النادمين الذين يقرون ويعترفون أن بعدهم عن الإيمان في الدنيا ما كان إلا لأنهم ما عقلوا سر الحياة وما أدركوا قصة وجودهم في الكون، وبالتالي غابت عنهم حقيقة العبودية لله تعالى، فأصبحوا أشبه ما يكونوا بالمجانين وفي ذلك يحكي القرآن عن هؤلاء فيقول سبحانه: )وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ( [8] نعم لو أنهم سمعوا الهدى وانقادوا لمستلزماته، وأعملوا عقولهم وفكروا فيها لما تخبَطوا في أوحال الشرك ودياجير الظلام.

     يقول ابن القيم رحمه اله تعالى: إن كل ما سوى الله مفتقر إلى العلم، ولا قوام له بدونه، فإن الوجود وجودان  وجود الخلق ووجود الأمر.

     والخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته، فكل ما ضمّه الوجود من خلقه وأمره صادر عن علمه وحكمته، فما قامت السموات والأرض وما بينهما إلا بالعلم، ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم، ولا عبد الله وحده وحمد وأثني عليه ومجد إلا بالعلم، ولا عرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم [9].

     ومن دأب القرآن الكريم أنه يربي المسلم و ينبه كل الناس على دوام التفكير، والتبصَر  في هذه  المكونات التي زُجّ الإنسان في داخلها، فإذا ما حدّق الإنسان البصر وأجال النظر في هذه المخلوقات ورأى الإبداع في خلقها، والدقة في تناسقها، والتساوق في ارتباطها، فإنه بلا أدنى شك سينطق بلسان حاله ومقاله: ) رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( [10].

     ولما انقاد الرعيل الأول سلفنا الصالح لمقتضيات هذه الآيات، حفزهم إيمانهم بالله للعلم والتعليم والعمل بما يتعلمون، ولذلك تجد في تاريخ الإسلام المجيد قد برز كبار العلماء في الكونيات والطبيعة من علماء المسلمين والفقهاء، وقدم هؤلاء للإنسانية العلوم النافعة في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك…والعالم في الغرب والشرق يعترف بفضلهم وما قدموه كان سبباً في نهضة الغرب وحضارته.

    وقد أثبت التقدم الفكري الحديث أن القرآن الكريم كتاب دعا إلى العلم دعوته إلى الدين، وأنه دعا صراحة إلى دراسة مختلف العلوم، وأنه حوى أصول هذه الدراسات في مختلف قطاعات العلم ويبلغ عدد الآيات العلمية في القرآن الكريم ما يقرب على 750 آية تشمل مختلف العلوم [11].

    دين كهذا يكرم العلم ويحض على التعلم ويدعو إلى معرفة الخالق عن طريق معرفة مخلوقاته كيف وجدت وكيف نشأت؟ لهو الصراط السوي حيث لا لبس ولا غموض بل دراسة وتعلم وبحث وتفكير…ثم يقول: ومنه يتضح أن الدين الإسلامي والعلم توأمان، وأن الدين لا يقف عقبة في سبيل العلم بل يدعو إليه ويعتمد عليه، ويشجع على البحث، ويرغب في التعلم، بل ويجعل العلم هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله سبحانه وتعالى، والوقوف على عظمته وقدرته [12].

     ثم إن جمال الإسلام يكمن في أنه حث على العلم الذي ينفع البشرية، بغض النظر عن المعتقدات والأديان، وهذه الحقيقة التي نفتخر بها، قد ذابت عند الغربيين واضمحلت، ذلك أن ما توصلوا إليه من طغيان مادي وعلم طبيعي أردى في كثير من الأحيان بالبشرية إلى الخراب، فقد اخترع لهم علمهم القنابل النووية والراجمات والطائرات القاصفة والمدرعات والدبابات، فكانت أداة للتدمير والتشريد والتقتيل وسفك الدماء البريئة، وهدم البنيان، فأصبح الطفل يُقتل وهو رضيع في حضن أمه والعجوز يذبح وأعين أولاده ترمقه، ومدن بأكملها تشطب معالمها من ساحة الوجود ؟!.



[1]  العلق: 1.

[2]  الزمر: 9.

[3]  المجادلة: 11.

[4]  الإسراء: 36.

[5]  صحيح مسلم، ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، تحقيق، محمد فؤاد عبد الباقي، رقم: (2722).

[6]  البقرة: 170.

[7]  محمد: 19.

[8]  الملك: 10.

[9]  فضل العلم والعلماء، لابن قيم الجوزية، جمع وترتيب صالح الشامي، ص35.

[10]  آل عمران: 191.

[11]  القرآن الكريم أضواء على الشرق والغرب، محمد قبيسي،ص146.

[12]  هذا خلق الله، عبد الحليم كامل، ص15.