الإعجاز القرآني سبيل من سبل الدعوة
بقلم: الدكتور مروان شعبان
إن سبل الدعوة إلى الله متعددة ومتنوعة، وسبب هذا التعدد أن لكل مقام مقالاً ينسجم معه ويتوافق مع الجو الذي يجب أن تحقق فيه الدعوة أهدافها.
ويظهر هذا الذي نقول من خلال المناهج التي سلكها الدعاة من رسل وغيرهم، عندما قاموا بإعلان دعوة الحق ودحض الباطل والضلال، ولقد سجّلها القرآن الكريم في صفحاته لتكون الأسوة التي تُحتذى، والقدوة التي يسير وفق برنامجها كل من باع نفسه لله و لدين الله.
ولقد أيّد الحق تبارك وتعالى الرسل والأنبياء بالدلائل والبيانات التي تثبت صدق دعوتهم وأنهم مبعوثون من عند الله، كما أن هذه البيانات تنسجم مع البيئة والمحيط الذي ظهرت فيه، وهي تتناسب مع المستوى العقلي والعلمي لدى القوم الذين خوطبوا بها، قال الله تعالى: ) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ( [1]، فبينة موسى كانت من جنس ما قد انتشر في قومه ألا وهوالسحر، وبينة عيسى إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، و ذلك لأن الطب كان من أبرز ما اشتهر به قوم عيسى عليه السلام فأثبت موسى صدق رسالته بمعجزته العصا، لما أبطل عمل السحرة، وأثبت عيسى صدق رسالته لما أحيى الموتى بإذن الله، وهذا ما عجز عنه قومه، إلا أن تلك المعجزات المادية كانت حياتها مرتبطة بحياة أصحابها من الأنبياء، فلما رحل الأنبياء إلى دار القرار، ذهب وجه الإعجاز لتلك البينات من حيز الواقع المشاهد والمرئي، ولم يبق منها إلا النقول والأخبار عبر كتب السماء.
ويأذن الخالق تعالى بظهور المعجزة الخالدة القرآن الكريم، المعجزة المتجددة عبر الزمان، فلكل جيل من الأجيال نصيب وافر منها، ومهما تطورت العلوم المادية وتجددت الاكتشافات العصرية، فإن إعجاز القرآن الكريم مواكب لهذه المستجدات، مبينٌ أنه قد تحدث عن بعض حقائقها وقت نزوله ولم يكن أحد قد أدركها بعد.
ونظراً لكون عصرنا الحاضر هو عصر العلم والتكنولوجيا، وأن لغة العصر الحالي هي لغة العلم ولكون القرآن الكريم هو كتاب هداية للناس كافة، وليس مقتصراً على العرب فقط أو الناطقين باللغة العربية الذين يفهمون إعجازه اللغوي والبلاغي، فأصبح من اللازم على المسلمين إظهار أوجه إعجازه المتعددة الأخرى، وخاصة البرهان العلمي الذي أصبح أكثر وضوحاً في الوقت الحاضر نتيجة التقدم الحاصل في العلم والتكنولوجيا [2].
كما أن تقديم الخطوط العريضة لشريعة الحياة من أجل الإنسان، وما ينضحان به أحياناً من بوارق من الإعجاز العلمي الباهر المتجدد تجدد الحضارة والإنسان هي عطايا من اللطيف الخبير لتطمئن به نفوس المؤمنين ولترعوي نفوس المشككين، وليتراجع عن غيهم السادرون، وليتقاصر غرور المفتونين بنتائج العلم الحديث…فالإعجاز القرآني بكل أنواعه، ولا سيما العلمي منه، بوابة كبيرة مشرعة الأبواب لكل من يبصر الطريق العلمي القرآني لولوج تلك الأبواب [3].
إننا دخلنا في القرن الواحد والعشرين، و نحن أمام إرث علمي هائل قد خلّفه لنا القرن الراحل فلقد ترك لنا ثروة علمية أو ثورةً علمية عجيبة مدهشة، فهلاّ جعلنا تدريس الإعجاز العلمي في القرآن الكريم سبيلاً من سبل الدعوة إلى الله، لا بل من أهم ما ينبغي أن يدرّس و يركز عليه.
إن الآيات الكونية والعلمية في القرآن الكريم تنادينا وتستنهض هممنا وتقول لنا: يا أتباع محمد أنا المعجزة المادية العلمية في عصر المادة، فلئن كان أجدادكم العرب وهم أصحاب الفصاحة وفرسان البلاغة قد ذهلوا عند سماعهم القرآن الكريم لما انطوى عليه من بلاغة وبيان ودقة، فخضعوا لسلطانه واستسلم أكثرهم لأوامره، فمتى يا مسلمون تبينون الجانب الكوني والعلمي في آيات القرآن؟.
فإلى كل داعٍ إلى الله، وإلى كل داعيةٍ إلى الحق المبين، أن تكون دعوته قائمة على دعائم وركائز العلم والمعرفة، وأن يبرز الحقائق العلمية التي قد سجلها القرآن وسبق أصحاب العلوم الذين يدعون أنهم هم أول من اكتشفها وتحدث عنها، عساهم أن ينصاعوا إلى الحق و الإيمان.
إن المسؤولية تقع على عاتق كل مسلم دون استثناء، وأخص منهم العلماء والحكام، الذين ملكوا زمام أمور المسلمين، وأقول لهم يا قادتنا:إن أصحاب الباطل يروجون لباطلهم في الليل والنهار وكبار رؤساء الدول الغربية يدعمون حملات العداء دعماً باهظاً للنيل من شرف الإسلام وكرامته… فهلاَّ قمتم يا حكام العرب والمسلمين بتجهيز الدعاة إلى الله وإلى الحق، لعرض أوجه الإعجاز القرآني، والإسلام ككل، على أساطين العلوم في الغرب، وأن تعلنوا للغرب أن الإسلام ليس دين إرهاب وسفك للدماء، إنما هو دين العلم، دين متابعة التكشفات العلمية والمستجدات العصرية لتقيموا الحجة و تثبتوا المعجزة ؟.
إذا كان أصحاب الباطل يدعون لباطلهم، فلماذا نستحي من دعوتنا
إلى الحق ؟.
إذا كانت وسائل الإعلام غرباً قد شوّهت صورة الإسلام، وأقنعت أبناءها هناك أن المسلمين ما تخلفوا إلا بالإسلام، لأنه دين الحرب والتقتيل والدمار، فأصبح الغربيون يعرضون عن الإسلام إعراض المشمئز الكاره له، فلماذا لا نقوم بتصحيح هذه الأفكار المغلوطة، ونبين لهم وجه الحق والصواب ؟ إذا كنا نحن ضعفاء بمقومات حياتنا المادية، وبصناعاتنا وإنتاجاتنا المحلية، وكنا شعباً مستهلكاً لما يصدره لنا الغرب في شتى جوانب الحياة، فإننا بحمد الله أقوياء في عقيدتنا، أقوياء في علومنا ومعارفنا لكن هل من مبلّغ ؟.
إن توجُّه الدعاة بهذه البضاعة النضرة المتألقة يعني فتحاً وانتصاراً، وإن كل داعية متسلح بهذه العلوم هو خير من الأسلحة الثقيلة وأقوى من الصواريخ والدبابات، وعرضُنا لهذه الحقائق نبتغي من ورائه هداية الناس خاصة أولئك الذين توغَّلوا في المادة فنسوا الله والدار الآخرة، وهدايتهم تعني إحياءهم وبث روح الإيمان في قلوبهم وعقولهم، فالإسلام هو دين الحياة.