ضوابط التفسير العلمي للقرآن الكريم
بقلم: الدكتور مروان شعبان
وضع العلماء قيوداً وضوابط لتفسير القرآن على أساس العلوم العصرية وهي:
1- الاعتماد في تفسيرنا العلمي على الحقائق لا الفرضيات.
البعد في تفسيرنا عن الفرضيات والتخمين والنظريات، لأن الفرضيات هي آراء يحاول أصحابها من الباحثين تفسير ظاهرة شاهدوها في مجال الطبيعيات والكونيات وفي شتى الميادين وكما هو معلوم أن أي فرض علمي قابل للصحة والبطلان أو التعديل، والحَكَمُ في ذلك هو التجربة والواقع وإذا ما انتقل الفرض إلى حيز النظرية فإنه لا يزال كذلك قابلاً للأخذ والرد، لكن عندما يرقى إلى مستوى الحقيقة العلمية وصعيد اليقين الجازم يومذاك يكون تفسيراً قوياً لآيات القرآن الكريم، ونحن لا نجيز تفسير الآيات بالنظريات والفرضيات، بل الدعامة العلمية التي ننهض عليها هي تفسير القرآن بحقائق العلم القطعية، وذلك توصيداً لباب الشك والريب هنا، فكم من نظرية ذاع صيتها وراجت بين الناس ثم أهيل عليها التراب فيما بعد وطويت في صفحات الزمن المنسي وأصـبحت من الوهميات.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: أن نستخدم من نتائج العلوم ما استقر عند أهله، وغدا حقيقة علمية يرجع إليها، ويعوّل عليها، ولا نعوّل على الفرضيات والنظريات التى لم تثبت دعائمها حتى لا نعرض فهمنا للقرآن للتقلب مع هذه الفرضيات، فليكن اعتمادنا على الحقائق المقررة، ولا يقال: إن العلم ليس فيه حقائق ثابتة إلى الأبد، فكم من قضايا علمية كانت يوماً ما بل ظلت قروناً وقروناً حقائق مقدسة، ثم ذهبت قدسيتها العلمية، وأثبت التطور العلمي عكسها، وهذا صحيح ومعروف، ولكن حسبنا الثبات النسبي للحقائق، فهذا هو الذي في مقدورنا بوصفنا بشراً، وقد قيل في تعريف التفسير هو: بيان المراد من كلام الله بقدر الطاقة البشرية[1].
2- عدم التعارض بين الحقيقة العلمية والقرآن.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا تعارض بين نصوص القرآن والحقائق العلمية، فإنه من المستحيل أن يتعارض نص قرآني قطعي الدلالة مع حقيقة علمية، لأن القرآن حق، والحقيقة العلمية حق وكلاهما مصدرهما واحد وهو الحق تبارك وتعالى القائل: ] ألَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ( [2].
ويستحيل التصادم بين الحقائق القرآنية وبين الحقائق العلمية لأنهما من مشكاةٍ واحدة، وينبغي أن يكون من المسلّمات في أذهاننا أن الحقائق القرآنية المتعلقة بأيّ جانب من جوانب الكون أو الإنسان والحيوان والنبات إذا كانت قطعية الدلالة لايمكن أن تصادمها حقيقة علمية توصل الجهد البشري إليها بناءً على جهود المختصين خلال التاريخ الحضاري للبشرية [3].
إن الحقيقة العلمية إن لم يكن في القرآن ما يؤيدها فليس فيه قطعاً ما يعارضها، نعم قد يكون هناك خلاف بين القرآن وبين بعض النظريات العلمية التي لم تُبحث ولم تدرس بعد دراسة كاملة وعلى ذلك فمن أراد أن يفهم من القرآن مبدءاً علمياً فعليه أن يتخصص في ذلك العلم ويدرسه دراسة كاملة مستوفية، ثم بعد ذلك يأتي للقرآن فيجده قد سبق البحث الحديث والحقائق العلمية وأتى بالحقائق الرائعة التي لا تقبل شكاً ولا جدلاً، لأنه تنـزيل الذي يعلم السر في السموات والأرض سبحانه [4].
3- التمكن من علوم اللغة العربية وعلوم الآلة.
بحيث يكون تفسيرنا للآيات القرآنية خاضعاً لدلالات اللغة العربية وقواعدها، وعلم الصرف وأصول الاشتقاق، بالإضافة إلى علم البلاغة وأصول الفقه.
وأن يكون الباحث ملتزماً بالمعاني اللغوية في اللغة العربية للآيات التي يريد إيضاح إشاراتها العلمية، لأن القرآن عربي، كما أنه ينبغي أن يراعي التأليف بين الآيات وتناسبها ومؤاخاتها، فيربط بينها لتكون وحدة موضوعية متكاملة [5].
4- عدم حصر دلالة الآية على الحقيقة الواحدة.
العالم الذي زوّده الله بالعلوم الشرعية أو الكونية، مهما ارتقى في سلم المعرفة والاستنباط فينبغي أن يعلم أن هناك حدوداً ينبغي أن يقف عندها، وأن الاحاطة بمراد كلام الله بشكل مطلق أمر محال فالباحث في هذا الميدان يحاول توأمة الحقيقة العلمية القاطعة بالآية القرآنية بوجه من الوجوه المترجمة ولا يكون جازماً بأن مراد الله هذا الذي وصل إليه.
وعند إحاطتنا بالدلالات اللغوية الحقيقية والمجازية واستعمالات العرب لها، إن وجدنا أن حقيقةعلمية تؤيد إحدى هذه الدلالات، لا بأس عندئذٍ أن نرجح الدلالة التي أيدتها الحقيقة العلمية على أن لا نحكم بالبطلان والفساد على الدلالات الأخرى للكلمة من جهة، وأن لا نحصر معنى الآية على الدلالة التي رجحناها من جهة أخرى، فقد تكون الحقيقة العلمية التي رجحنا على ضوئها هذه الدلالة إحدى وجوه دلالات الآية، وظلالها ممتدة إلى حقائق أخرى لم نتمكن من التوصل إليها حسب ثقافة عصرنا، إلا أن العلمي والحضاري كفيل أن يميط اللثام لنا عن جوانب أخرى، فمثلاً قوله تعالى: )بلى قادرين على أن نسوى بنانه( [6] كان إلى ما يقرب من مائة سنة ينظر إلى دلالة تسوية البنان نظرة تختلف عن نظرتنا لها الآن بعد معرفة قضية البصمات، إلا أننا لا نبطل كلام السلف في معنى الآية، فالآية تدل على ما قالوه وما فهموه…وإن كان فهمنا الآن لدلالة الآية على ضوء معطيات العلم الحديث أعمق وأدل، وكذلك فإن شعورنا في صنعة كلام الخالق سبحانه وتعالى وحكمته سليم وصحيح، ومع ذلك فإننا لانستطيع أن نقول: إن معنى الآية هو هذا فحسب، وليس بعد فهمنا لها فهم آخر، بل قد يكشف لنا المستقبل عن أسرار إلهية في البنان فوق ما تصورناه ووصلت إليه مداركنا العصرية، وتبقى الآية الكريمة مجال بحث الباحثين، واستنباط المفكرين، وبصمة إعجاز على جبين العصور [7].
5- أهمية التخصص العلمي.
من الأهمية بمكان أن يكون المتحدث في قضايا الإعجاز من أهل الاختصاص، بحيث يكون متمكناً من العلوم الشرعية واللغوية، وكذلك متمكناً بأساسيات وأبجدية العلوم الكونية والطبيعية التي يفسر بها النصوص القرآنية، أو يكون معتمداً فيما يطرحه على مختصين في كلا الميدانين، لكي لا يقع في الزلل والتأرجح، وبسبب عدم الالتزام بهذا القيد فإن كثيراً ممن كتب وتحدث في قضايا الإعجاز قد تعسف في تفسيره للنص القرآني، مما أدى للخروج عن مدلول النص ومعناه، كما أنه يأتي بالحقيقة العلمية لكن بشكل معكوس لأنه غير مختص في هذا المجال، مما دفع كثيراً من العلماء أن ينادوا بمنع هذا النمط من التفسير.
6- القرآن الكريم كتاب هداية ونور.
ومنهج الهداية الربانية في القرآن الكريم تبرز عندما تتناول آياته المباركة نفس الإنسان بالتربية والتهذيب والتقويم والإصلاح، وهذه الآيات التي تتحدث عن الوعد والوعيد والجنة والنار والدنيا والآخرة، وتلك التي تتحدث عن أخبار الأمم الغابرة، التي سادت ثم بادت بعد حين من الزمن وأخرى تتحدث عن قصة وجود الإنسان فوق رحب هذه الأرض وكيف أنه لا محالة صائر إلى الزوال والفناء، وتلك التي تنظم حياة الفرد وتقوم سلوكه وتضبط معاملاته بضوابط الشرع وأحكامه البينات…ومنها ما فيه حديث عن ارتباط الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم والأسس التي ينبغي أن تسير وفقها الأمة الإسلامية في معاملاتها مع غيرها…وهكذا فإننا نجد أن القرآن الكريم حافل بموضوعات شتى ومتعددة كلها تصب في النهاية في بوتقة واحدة ألا وهي هداية الإنسان إلى الحق المبين، لكن مع هذه الهداية في العقيدة والتشريع والخلق والسلوك، نجد أن في القرآن الكريم صنفاً آخر من أصناف الهداية، ألا وهو وجود آيات كونية وحقائق علمية وضعها الحق تعالى في صفحات كتابه المجيد لتكون مؤشراً على عظمة الخالق ولتكون دليلاً على أن هذا القرآن هو وحي السماء إلى الأرض وبذلك يزداد المؤمن إيماناً، ويتنبه غير المسلم إلى حقائقه العلمية التي سبقت ركاب العلم وأساطين المعرفة، فيخضع لسلطانها وينقاد لصدقها فيعلن ولائه لله سبحانه وتعالى، فالقرآن إذاً ليس كتاب فلك ولا كتاب طب أو جيولوجيا…لا، إنما هو كتاب هداية ونور، وما الحقائق العلمية والإشارات الكونية إلا سبيلاً من سبل الهداية، ومدخلاً واسعاً لرحاب الحق ورياض الإيمان.
7- العلم بأسباب النزول إن وجدت، والناسخ والمنسوخ، وقواعد هذه العلوم، كقاعدة النسخ، وقاعدة الترجيح، ومعرفة الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصل، وتعارض النصوص ودفع هذا التعارض بالقواعد المعروفة، ومعرفة المنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز، وغير ذلك من القواعد، ودلالات الألفاظ والعبارات، التي لا يمكن لأي باحث في رحاب القرآن الاستغناء عنها، فكيف إن كان البحث متعلقاً بمسألة حساسة مثل القضايا العلمية والكونية في القرآن الكريم.
8- ضرورة الجمع بين النصوص القرآنية التي تتحدث في قضية واحدة، والبحث عن الجامع المشترك بينها، والتركيز على المحاور الأساسية فيها، وتفسير بعضها ببعض، أي تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال السلف وعلماء اللغة، مع التأكيد على الإطار الواحد الذي وردت فيه الآية الكريمة، وعدم اجتزائها عما قبلها وما بعدها، ليكتمل التصور القرآني للقضية المدروسة.
9- أن يكون مجال البحث في قضايا العلم في القرآن، وهذا يعني الابتعاد عن التنطع في الإعجاز العلمي وإسقاطه على الغيبيات، كالجنة والنار والصراط والبعث والنشر والملائكة والروح، وغيرها من الغيبيات التي ينبغي أن نؤمن بها ونسلم بما جاء في القرآن والسنة بها، دون الخوض في غمارها علمياً وظنياً، لأن الظن والوهم لا يغني من الحق شيئاً.
10- التأكيد على فهم السلف الصالح للنصوص القرآنية ومن بعدهم من علماء التفسير وعلوم القرآن، وعدم تجاوز فهومهم وتفسيرهم لكتاب الله تعالى، لأنهم أقرب إلى زمن تنزل الوحي، وأعلم بمراد الله تعالى منا، فهم خير القرون بعد عهد الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك ما ينبغي التقليل من شروحهم للآيات القرآنية، بل يجب الاعتماد عليها أساساً في دراستنا العلمية، حتى نكون موفقين وموضوعيين، مع التحذير من الإسرائيليات الواردة في بعض التفاسير، وكذلك بعض تفسيرات المفسرين العلمية من خلال ما كان متاحاً لهم من معارف كونية في زمانهم، حيث إن كثيراً منها كان ضرباً من الوهم، أو مستورداً من ثقافات قديمة قائمة على الخرافة والأساطير.
[1] كيف نتعامل مع القرآن العظيم،د. يوسف القرضاوي، ص382 .
[2] الملك: 14 .
[3] مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم، ص 155.
[4] التفسير العلمي للقرآن، أحمد عمر أبو حجر، ص119 .
[5] أصول التفسير وقواعده، خالد عبد الرحمن العك، ص224 .
[6] القيامة: 4.
[7] مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم، ص 154-155 .
[8] إبراهيم: 1 .
[9] الإسراء: 9 .
[10] الأنفال: 24 .