قانون الجاذبية
بقلم: الدكتور مروان شعبان
كلنا يعرف أن الأجسام القريبة من الأرض تسقط عليها بما نسميه قوة الجاذبية، فإذا حاولنا أن نقذف كرة رأسياً إلى الأعلى، لا تلبث بعد قليل حتى تعود إلى الأرض بفعل الجاذبية، وإذا قذفنا الكرة في اتجاه مائل عن الرأسي، فهي ترسم مساراً منحنياً ثم تعود ثانية إلى الأرض على بعد من النقطة التي قذفت منها، ويتوقف طول هذا البعد على قوة قذفها وزاوية اتجاهها، ويعزى ذلك إلى قوة الجاذبية...
قال العالم الفرنسي الشهير أراغو: لو لم نلاحظ سقوط الأجسام في كل دقيقة، لاعتبرنا ذلك ظاهرة مدهشة للغاية... إن العادة وحدها هي التي تجعلنا نشعر بأن جذب الأرض لكافة الأجسام الموجودة عليها هي ظاهرة عادية، ولكن عندما يقال لنا: إن الأجسام تجذب بعضها بعضاً أيضاً، لا نميل إلى تصديق مثل هذا القول، لأننا لا نلاحظ شيئاً من هذا القبيل في حياتنا اليومية المعتادة...
وبالفعل لماذا لا نشعر بوجود قانون الجاذبية العامة بصورة دائمة في الظروف العادية؟ ولماذا لا نرى كيف تتجاذب كل من المناضد والبطيخات والناس مع بعضها بعضاً؟
السبب هو أن قوة تجاذب الأجسام الصغيرة مع بعضها بعضاً ضئيلة جداً ، ونقدم الآن مثلاً توضيحياً: إذا وقف رجلان على مسافة مترين من بعضهما فإنهما سيجذبان بعضهما بعضاً، ولكن قوة هذا التجاذب ضئيلة جداً، فالرجلان ينجذبان إلى بعضهما لكن بالقوة نفسها، ومثل هذه القوة الضئيلة لا تستطيع تحريكنا من أماكننا، لأن احتكاك أقدامنا بالأرض يحول دون ذلك، إذن قوة التجاذب بين الأجسام الصغيرة ضئيلة جداً، وعند زيادة الكتل تزداد القوة زيادة طردية مع حاصل ضرب الكتل [1].
إن قمرنا الفضي هو كذلك أسير الجاذبية الأرضية، وإذا أردنا أن نفلت من نطاق جاذبية الأرض، فلا بد أن نطلب صاروخاً يسير بسرعة سبعة أميال في الثانية، ليصبح حراً طليقاً في مداره حول الأرض أو في الفضاء، وهذه هي السرعة التي استعملت واستخدمت في القمر الصناعي الروسي ( سبوتنيك sputnik) وغيره من الأقمار الصناعية، ولكن ليس معنى هذا أننا تخلصنا من قوة الجاذبية الأرضية، بل إن قمرنا سيظل أسير جاذبية الأرض إلا أن يشاء الله تعالى، ولذلك نراه يدور حول الأرض [2].
القمر يتحرك حول الأرض بسرعة تقدر بألفين وثلاثمائة ميلاً في الساعة، وينحني مساره باستمرار نحو الأرض، ولكن دون أن يسقط على الأرض، ولولا هذا الانحناء المستمر نحو الأرض، لبعد القمر في الفضاء وانتهى به سفر سنة واحدة إلى مكان سحيق في الفضاء، أي لبعد عن الأرض بنحو عشرين مليون ميلاً، بدلاً من بعده الثابت الحالي.
ولقد عزا إسحاق نيوتن هذا الانحناء المستمر في مسار القمر نحو الأرض، إلى التجاذب المتبادل بينهما، ذلك التجاذب الذي هو شبيه في نوعه بسقوط الأجسام نحو الأرض، وقاده تفكيره السليم إلى إدراك أن هذا التجاذب من خاصية الأجسام كلها، مهما كان تركيبها الكيميائي أو الطبيعي، وأنه موجود بالفعل بين جميع الأجسام، ولو أننا في كثير من الأحيان لا نكاد ندرك أثره...
ولو أننا فكرنا قليلاً في سر بقائنا على الأرض في أي نقطة منها، وفي أولئك الذين يعيشون في نصف الكرة الجنوبي، ثم نتذكر أن الأرض كروية الشكل، حينها نشفق – لأول وهلة – أن يسقطوا منها في محيط الفضاء الأعظم، لولا ما أودعه الله تبارك وتعالى فيهم وفي الأرض من قوة الجاذبية، التي تحول في كل وقت دون أن يفلتوا من قوة جذبها، ولولا هذه القوة لتشتت جزيئات الغلاف الهوائي المحيط بالأرض في الفضاء، ولاستحالت الحياة على سطحها...
إن الكتلة هي مصدر قوة الجاذبية، يقول علماء الفيزياء: إن قوة الجاذبية بعيدة المدى، أي إن تأثير كتلة بوجود كتلة أخرى لا يزول بزيادة البعد بينهما، وإن تضاءل هذا الأثر نتيجة علاقة التربيع العكسي بين القوة والبعد، وإذا أثرت كتلة على أخرى بقوة، فإن الكتلة الثانية تؤثر على الأولى بقوة لها القيمة نفسها، لكنها تخالف القوة الأولى في الاتجاه، هذا المبدأ العام في وجود القوى في الطبيعة على شكل أزواج يعرف بقانون الفعل ورد الفعل، أو القانون الثالث لنيوتن...
الأرض مثلاً تؤثر على جسم مادي بقوة تساوي وزن الجسم، والجسم أيضاً يؤثر على الأرض بمقدار القوة نفسها - أي وزن الجسم- لكن في اتجاه نحو الجسم وليس الأرض، هذا يعني أن الأرض تتساقط نحو أي كتلة، مثلما تتساقط الكتلة نحو الأرض، بيد أن كبر كتلة الأرض مقارنة بكتلة الجسم، يجعل عملية تسارع الأرض نحو الجسم ضئيلة المقدار [3].
إن قوة الجاذبية الضئيلة بالنسبة للكتل الصغيرة، تصبح محسوسة جداً عندما يتعلق الأمر بالكتل الهائلة للأجرام السماوية، حتى إن كوكب نبتون، وهو الكوكب البعيد جداً عن الأرض، والذي يدور ببطء عند حافة المنظومة الشمسية، يجذب الأرض بقوة تقدر بـ 18 مليون طناً، وبغض النظر عن المسافة التي تفصلنا عن الشمس، فإن الفضل في عدم خروج الأرض عن مدارها الثابت يعود إلى قوة الجاذبية الشمسية، وإذا انعدمت قوة جاذبية الشمس لسبب من الأسباب، لانطلقت الأرض من فلكها ومدارها مندفعة نحو أعماق الفضاء الكوني السحيق [4].
كل شيء في هذا الكون يعيش حالة من التجاذب من الذرة إلى المجرة، فقد عرّفنا فيما سبق القوة النووية، وقلنا: إن القوة النووية هي القوة التي تعطي نواة الذرة تماسكها مع بعضها بعضاً، أي هناك قوة جذب نووية تبقي البروتونات داخل النواة، وتمنح جسيماتها القدرة على التماسك...
هذا هو مفهوم قانون الجاذبية باختصار، وهذه إيحاءاته وأبعاده في الكون بأسره، وإذا عدنا إلى القرآن الكريم فلسوف نجد أن الحق عز وجل سجل هذا القانون في كتابه الكريم في كثير من الآيات المباركة، فقد خلق الحق عز وجل النجوم والأجرام السماوية الأخرى ووضعها في الخريطة الكونية على أبعاد ثابتة فيما بينها، بصورة تضمن عدم السقوط والتصادم والاضطراب في الأفلاك إلا بإذنه، قال تعالى: ]ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه [ [5]، ولو كان أحد طرفي المعادلة على شكل غير هذا لسقطت السماء على الأرض، أي لسقطت النجوم والكواكب التي في السماء على الأرض، بمعنى آخر لوقعت الأجرام السماوية كلها فوق بعضها بالتصادم، وهذا يحدث لو زادت قوى التجاذب على طاقة الحركة، وإذا حدث العكس أي لو قلت قوى التجاذب عن الطاقة الحركية، لتباعدت الأجرام السماوية بالانفلات من أفلاكها حول شموسها، ولسارت على غير هدى، حتى تصطدم بمجموعات نجمية وكوكبية انفلتت هي الأخرى من أفلاكها المحددة لها...
وتتضح دقة المعادلة والتوازن بين طرفيها في قوله تعالى: ] والسماء رفعها ووضع الميزان[ [6] إذ تدل الآية الكريمة على أنه سبحانه وتعالى بعد أن رفع الأجرام السماوية وجعلها متباعدة عن بعضها بأبعاد ثابتة، عادل ووازن وساوى بين تأثير قوى التجاذب الرابطة لها، وبذلك حفظت من السقوط.
والآيات الكريمة في هذا السياق كثيرة يقول الله تبارك وتعالى: ] إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا...[ [7]... ويقول سبحانه: ] الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها... [ [8].
إن الأعمدة الكونية في السماء قائمة وموجودة، وبهذه الأعمدة رفع الحق الأجرام السماوية، لكنها أعمدة غير مرئية، ليست أعمدة من صخر وحديد، إنها أعمدة الجاذبية التي سخرها الله تبارك وتعالى وفق جزيئات القانون الإلهي العام الأعظم، ليظل كل جرم وكل شيء في أبعاد متساوية، وكأنها مقامة فوق عمد لا ترونها...حقائق مذهلة نجدها في القرآن الكريم، وإن الإنسان ليتساءل كيف استطاع رجل منذ أكثر من ألف أربعمائة عام، أن يأتي بمثل هذه الحقائق العلمية الرائعة؟ هل كان صاحب تلك الرسالة النبي الأمي عالماً من علماء الفيزياء والفلك؟ هل كان أستاذاً من أساطين الرياضيات والطبيعة؟ الحق أنه لا سبيل إلى الجدال وليس أمام البشر... كل البشر.... إلا التسليم بأنه وحي من عند الخالق الأعظم تبارك وتعالى [9]

هذا التوازن والاتزان البديع، جعل قوة جذب الشمس تضبط مسار كواكب المنظومة الشمسية لتعيش بجوار وحب ووئام
[1] الفيزياء المسلية، ياكوف يريلمان، ترجمة: د. داود سليمان المغير، ص82، وانظر: خواص المادة، د. أحمد شوقي عمار، ص87، وانظر: الفيزياء: الميكانيك والدينمية الحرارية، د. أنور ذيب الذيب، ود. عبد الرحمن المحمدي، ص65.
[2] القمر، محمد علي المغربي، ص127.
[3] مبادئ الطاقة، د. مصطفى عباس معرفي، ص42
[4] الفيزياء المسلية، ياكوف يريلمان، ص82، وانظر: موسوعة عالم الكون والفضاء، د. أشرف أبو سنينة، ص60.
[5] الحج: 65.
[6] الرحمن: 7.
[7] فاطر: 41.
[8] الرعد: 2.
[9] انظر في الجاذبية: الظواهر الجغرافية، د. عبد العليم خضر، ص151، وانظر: الموسوعة العلمية ( الفيزياء والكيمياء) د. موريس أسعد شربل، ص 139.