قانون الحركة
بقلم: الدكتور مروان شعبان
إن الخاصية الشائعة لكل الأشياء هي التغير، التغير سمة أصلية لكل الأشياء في الكون، فالزهور تنمو وتذبل، والإنسان يولد ويتدرج في النمو إلى أن يصل إلى الشيخوخة فالموت، والنجوم في السماء لها تاريخ، فهي تولد وتتطور إلى أن تموت ويخبو ضؤوها، وبسبب خاصية التغير المتأصلة في الكون، ربما كان ذلك أحد الدوافع لأن تكون فكرة الحركة ( motion)...
إننا نلاحظ في حياتنا اليومية أن هناك أجساماً متحركة وأخرى ساكنة، والحركة ذاتها لها عدة أشكال، فهناك الحركة على المستوى الأفقي، مثل حركة سيارة على الطريق، وهناك الحركة على المستوى الرأسي، مثل سقوط حجر على سطح الأرض، وهناك حركات أكثر تعقيداً في هذا الكون...
إن كل شيء في هذا الكون يتحرك، وحتى تلك الأشياء التي تبدو لنا ساكنة، مثل الحجر والطاولة والمنزل هي في حقيقتها متحركة، لأن أي مادة في الكون مكونة من ذرات، والذرة كما علمنا تتكون من نواة وإلكترونات تدور حولها، والجمادات كغيرها مليئة بالذرات النشطة التي لا تهدأ أبداً...
نسبية الحركة:
كان الاعتقاد قبل جاليليو أن الحركة مفهوم مطلق، بمعنى أن المتحرك يستطيع أن يعرف أنه في حالة حركة، حتى ولو لم يكن هناك أي أجسام أخرى يقارن بها حركته، إلا أن الفيزيائي جاليليو لم يعجبه هذا التفكير الساذج فالعلم نسق من العلاقات ولا يمكن معرفة أي شيء إلا بإجراء المقارنات، فقاده هذا التفكير المنَّظم إلى اكتشاف مبدأ من أهم المبادئ الفيزيائية وهو مبدأ نسبية الحركة.
يقول جاليليو: الحركة لا يمكن اعتبارها أو فهمها إلا بالمقارنة مع جسم آخر محروم منها، والحركة لا تؤثر أبداً على العلاقات بين الأشياء في الجسم المتحرك، وبالمثال يتضح المقال، ويمكن أن نوضح فكرة جاليليو بالمثال التالي: افترض أنك تجلس في طائرة تطير في السماء بسرعة ثابتة في خط مستقيم، ونفرض أن جميع نوافذ الطائرة مغلقة بحيث لا تستطيع أن ترى الأشياء التي في الخارج، الآن لو سألناك: هل تشعر أنك في حالة حركة؟ قطعاً لن تشعر بأي شيء، بل ستجد نفسك وكأنك تجلس في غرفة في منزلك على الأرض، بمعنى آخر لن تشعر بالحركة، وكل النشطات التي ستراها في الطائرة تماثل ما تراه على الأرض، ويمكن أن تعتبر نفسك في حالة سكون...
لكن ماذا لو فتحت النافذة، ورأيت الأشياء في الخارج من سحاب وبحار ورمال وجبال وأشجار وغيرها؟ هنا وهنا فقط ستشعر أنك في حالة حركة، لأنك سترى كل الأشياء الخارجية تتغير بالنسبة لك، وستدرك أنك تغير موقفك لحظة بعد لحظة، من هذا المثل يمكن فهم فكرة جاليليو التي أوردناها آنفاً، والتي تعتبر الحركة مفهوماً نسبياً وليس مطلقاً [1].
ومن المدهش والمذهل أن نجد أن هذه المبادئ الفيزيائية العميقة التي أدركها جاليليو، قد نطق بها القرآن الكريم وسجلها كحقيقة علمية وإيمانية في صفحاته منذ قرون عديدة، يقول الله تبارك وتعالى: ] وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء[ [2].
إن الآية الكريمة كشفت عن مبدأ نسبية الحركة بشكل رائع، حيث يقول تعالى: ] وترى الجبال تحسبها جامدة[ أي أنك ترى الجبال وتظنها ساكنة غير متحركة ( وهي إشارة إلى السكون) ثم يقول عز وجل ]وهي تمر مرّ السحاب[ أي إنها في الواقع وحقيقة الأمر تتحرك مع دوران الأرض حول نفسها...
بمعنى آخر: إن الحركة لن تدركها إلا إذا خرجت من الكرة الأرضية لترصد حركتها، أما خلال مدة بقائك في الأرض فلن تشعر بالحركة أبداً، وهي إشارة قرآنية بديعة لقانون ( مبدأ نسبية الحركة)...
والمتأمل في النص القرآني سيجد عمق التشبيه الذي صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ]وترى الجبال... شيء[ فلماذا شبه القرآن حركة الجبال بحركة السحاب؟ الإجابة الرائعة وهي: أن السحب لا تتحرك بذاتها بل بقوة الرياح، فالرياح هي التي تسيّر السحب وتنقلها من مكان إلى آخر... والجبال لا تتحرك بذاتها بل تتحرك من جرّاء حركة الأرض ودورانها حول نفسها، فحركة السحاب والجبال تتشابهان بسبب أنهما يعتمدان على قوة أو مؤثر خارجي... وبهذا نجد أن القرآن الكريم قد وضع أساس علم الحركة قبل جاليليو بألف وأربعمائة عام ويزيد...
والكون من ذرته إلى مجرته يتحرك ويدور، القمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس دورة كاملة في مدة اصطُلح على تسميتها بالعام 365 وربع يوماً، بينما تدور حول محورها كل 24 ساعة تقريباً، وقد اصطلح على تسمية هذه المدة باليوم، وينطبق القانون ذاته على حركة الكواكب الأخرى، فكل كوكب من المجموعة الشمسية يدور حول الشمس في مدة معينة هي (عامه) ويدور كذلك حول نفسه خلال مدة أخرى هي (يومه) وجميع الكواكب تدور حول الشمس، الشمس كذلك تتحرك حركة دائرية حول محورها في الاتجاه نفسه... ونزيد المسألة وضوحاً وتفصيلاً ببيان الحركات الكونية الكبرى:
أولاً: حركة المجرات:
إن علم الفلك تقدم خطوة كبرى عندما استطاع ترتيب النجوم في المجرات، واستطاع كذلك تصنيف المجرات إلى ثلاثة أنواع رئيسية بالنسبة إلى شكلها وهي:
- المجرات الإهليليجية ( البيضاوية) elliptique.
- المجرات اللولبية ( الحلزونية) spiral.
- المجرات غير المنتظمة irregular.
كما دلت الأبحاث والإحصاءات الفلكية أن ما يقرب من 78% من المجرات لولبية، 18% أهليليجية، و4% فقط غير منتظمة، وهذه البلايين من المجرات تنطلق بسرعة هائلة في الفضاء، ويتخذ كل منها اتجاهاً ليبتعد عن المجرات الأخرى... لكن ماذا تحتوي هذه الأنواع من المجرات؟
تستمد المجرات البيضاوية اسمها من شكلها، فهي كتل بيضاوية من النجوم المتكاثفة حول المركز، غالباً ما تتكون هذه المجرات من النجوم الحمراء المتقدمة في العمر، ولا تتكون فيها نجوم جديدة، وتحتوي أيضاً على غبار كوني، وتصبح كأنظمة مغلقة على نفسها في طريقها إلى الزوال.
أما المجرات الحلزونية فتتميز بنواة لامعة في وسطها، أي في مركز القرص النجمي، وتتكون من نجوم مسننة، أما القرص المحيط بالنواة فهو مكوّن من نجوم شابة تتخللها غيوم كثيفة من الغبار الكوني، التي يكون بإمكانها تكوين نجوم جديدة وبشكل مستمر، ولهذا النوع من المجرات أذرع حلزونية تتكون من الغبار والغاز الكونيين، وفي حال نظرنا إلى مجرة حلزونية نجد أنها منحرفة، ويستحيل علينا رؤية تفاصيل في الأذرع اللولبية، نجد من هذه المجرات نوعين: المفلطحة والدائرية.
وأما المجرات غير المنتظمة فتسود فيها النجوم الزرقاء، وهي حديثة النشأة، يحيط بها غاز قاتم، ولا يكون لهذا النوع من المجرات شكل محدد ، إنما يغلب عليها الشكل المسطح، وكل مجرة تدور حول محور، فالمجرات الحلزونية تدور بحيث تجر معها أذرعها، وأما مجرتنا فإنها تدور في اتجاه عقارب الساعة، في حال لنظرنا إليها من القطب الشمالي... والمجرات تحتوي على مجموعة كاملة من النجوم في دورة الولادة، وأخرى في ريعان الشباب، وثالثة تحتضر، أو أنها تقضي نحبها في هدوء وسط انفجارات هائلة ( سوبر نوفا) فهي إذاً تولد وتحيا وتموت [3].
صورة تبين أنواع المجرات الكونية وهي سابحة ومسبحة لله في هذا الكون العظيم

حشد هائل من المجرات الكونية المختلفة

تحتوي كل مجرة على بلايين النجوم المتحركة
ثانياً- حركة النجوم:
كان الاعتقاد السائد قديماً أن النجوم ثابتة في كبد السماء لا تتحرك ولا تغير موقعها، بخلاف الكواكب التي تتحرك وتدور، وتظهر وتختفي، إلا أن هذا الاعتقاد لم يصمد أمام تقدم العلم الذي برهن أن النجوم تسبح في الفضاء، وتتحرك بسرعة مذهلة، وقد تحدث العلماء عن حركة النجوم ( stellar motion) من خلال النقاط التالية:
1- الحركة الزاوية للنجم: ويقصد بها السرعة الزاوية للنجم، والتي تنتج عن حركته في اتجاه عمودي على خط البصر، وهي معدل تغير موضع الجسم بالنسبة للنجوم الخلفية في القبة السماوية، ويمكن حسابها بمقارنة صور فوتوغرافية تؤخذ على مدى سنوات ( 20- 50) سنة.
2- السرعة نصف قطرية: وهي سرعة النجم على امتداد خط البصر ( الرؤية) وهي عبارة عن سرعة النجم باتجاه ما، مقترباً أو مبتعداً عن الشمس، ويمكن حسابها باستخدام ظاهرة دوبلر.
3- السرعة المماسية: وهي سرعة النجم العمودية على امتداد خط البصر، وعليه فإن حساب السرعة يتتطلب معرفة بعد النجم وحركته الزاوية.
4- السرعة الفضائية: وهي السرعة الكلية للنجم ( بالكم/ث) بالنسبة للشمس [4].
ثالثاً- حركة الشمس:
للشمس أربع حركات تقوم بها في آن واحد وتلك الحركات هي:
1- الدورة المحورية: أي دوران الشمس حول نفسها، وتتم الشمس دورتها هذه في زمن متوسط قدره (30) يوماً، ويمكن التأكد من دوران الشمس حول محورها الوهمي، من خلال رصد الكلف الشمسية، التي تبين كيف أن الكلف تحتاج مدة (15) يوماً كي تتم نصف دورة لها حول الشمس.
2- الدورة الانتقالية: تقوم الشمس مع جميع الكواكب التابعة لها، وما يتبع تلك الكواكب من أقمار بدورة انتقالية حول مركز مجرتنا، ولما كانت شمسنا تبعد عن مركز تلك المجرة مقدار (30) ألف سنة ضوئية، فإن الشمس لا تستطيع أن تتم دورتها تلك إلا بعد (250) مليون سنة، مع أنها تتحرك في الثانية الواحدة ما يعادل ( 741600) كيلومتراً في الساعة الواحدة.
3- الحركة التباعدية أو الانتشارية: وهذه الحركة للشمس تكون مع المجرة، فقد تبين للعلماء أن المجرات تتباعد عن بعضها بمقدار ( 780) كيلو متراً في الثانية، بينما هناك مجرات أخرى تصل حركة تباعدها عن غيرها مقدار ( 46800) كيلومتراً في الثانية.
4- الحركة اللولبية: التي تنطلق بها الشمس لتبلغ مجموعة ( كوكبة الجاثي) وتحركها نحو هذه الكوكبة يكون لولبية تفرضها عليها الحركات السابقة التي تقوم بها الشمس [5].
رابعاً- حركة الأرض:
من المسلمات أن كوكب الأرض له حركتان، حركة محورية حول نفسه، ينتج عن هذه الحركة تعاقب الليل والنهار، وحركة مع كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس، وينتج عن هذه الحركة اختلاف الفصول الأربعة...
فالأرض تدور حول محورها الوهمي كل 23 ساعة و 56 دقيقة و 4,001 ثانية، وهي مدة اليوم النجمي، أما اليوم المدني أو اليوم الشمسي فيساوي 24 ساعة تماماً.
وتكمل الأرض دورة واحدة حول الشمس (سنتها) كل 365 يوماً و 9 دقائق 9,5 ثانية، وهي مدة السنة النجمية أو السنة الفلكية، أما السنة الشمسية فتقاس من خلال نقطتي الاعتدالين أو الانقلابين، وتساوي 365 يوماً و5ساعات و 48 دقيقة و46 ثانية.
إن سرعة دوران الأرض في فلكها حول الشمس مقدرة تقديراً إلهياً في غاية الدقة، ودورانها حول محورها مقرر كذلك ومحدد، بحيث لو وقع فيه اختلاف مقداره ثانية واحدة فقط في مدة مائة سنة، لانقلب الحساب كله وتغيرت معاييره، فالأرض تتم دورة واحدة حول محورها في مدة أربع وعشرين ساعة تقريباً 1000 ميلاً في الساعة، فلو انخفضت هذه السرعة إلى 200 ميلاًَ في الساعة، لصار طول الليل 120 ساعة، فمن ذا الذي يستطيع المنام هذه الفترة؟ وكم يحتاج البشر من الطاقة للتغلب على تجمد المياه والمأكولات طول هذه الفترة؟ ثم من الذي يتحمل حرارة نهار طوله 120 ساعة؟ وكيف يقسم العمل؟ وكيف تنتظم صور الحياة والنشاط البشري على الأرض؟ ألا نشكر الخالق الأعظم أن جعل حركة الأرض ينتج عنها الليل والنهار بهذا المعدل الرباني الدقيق [6].
خامساً- حركة القمر:
للقمر أربع حركات أساسية يقوم بها هي:
1- الدورة الانتقالية: التي يقوم بها أمام الشمس أثناء دورة الأرض، والتي يرسم خلالها مداره اللولبي، وينتج عن هذه الدورة سنة قمرية أو هجرية مدتها 354 يوماً و8 ساعات و48 دقيقة و36 ثانية.
وتشمل على 12 شهراً قمرياً، طول كل شهرين متتابعين أكثر من 59 يوماً بقليل، حيث طول الشهر الأول 30 يوماً تقريباً، بينما يكون طول الشهر الثاني أكثر بقليل من 29 يوماً...
ويتم القمر سنته قبل أن تكون الأرض قد أنهت سنتها حول الشمس بمقدار (11) يوماً تقريباً، لذا نجد أن السنة الشمسية الناتجة عن دوران الأرض دورة كاملة حول الشمس لا تنهي دورتها قبل (11) يوماً بعد انتهاء السنة القمرية، وهذا يجعل السنة الشمسية تزيد بمقدار (11) يوماً تقريباً عن السنة القمرية ( الهجرية) وهذا الفرق هو الأساس المعتمد عند تحويل السنين الميلادية إلى سنين هجرية وبالعكس، ولذا فإن عدد السنين القمرية يزيد على عدد السنين الميلادية بمقدار سنة واحدة كل ( 23,5) سنة ميلادية.
2- الدورة المحورية أو اليومية:
وبما أن دورة القمر حول الأرض، تساوي مدة دورته الانتقالية حول الأرض، أي إنه يتم هاتين الدورتين في مدة 29 يوماً و12ساعة و44 دقيقة و 3 ثوان، نجد أن القمر لا يوجّه نحو الأرض إلا وجهاً واحداً منه باستمرار، بينما يظل الوجه الثاني مختبئاً عن أعين سكان الأرض باستمرار...
وتبلغ سرعة القمر حول الأرض عندما يكون في الحضيض مقدار ( 3870) كيلو متراً في الساعة، بينما تقل سرعته عن ذلك بعض الشيء عندما يبتعد عن الأرض - أي عندما يكون في الأوج- أي في سماء نصف الكرة الجنوبي، حيث تبلغ سرعته حينذاك ( 3450) كيلو متراً في الساعة.
3- دورة القمر مع الأرض حول المجرة: بما أن القمر تابع للأرض ومنجذب نحوها، فإنه يتحرك معها حول المجرة الأرضية ومع الشمس بسرعة قدرها ( 206) كيلو متراً في الثانية، ولا يتم دورته معهما إلا بعد ( 250) مليون سنة.
4- حركة القمر الانتشارية التي يقوم بها مع الأرض والشمس والمجرة:
يتحرك القمر مع الأرض والشمس والمجرة الأرضية مع بقية المجرات، بحركة تباعديه أو انتشارية بقدرة الله تعالى في هذا الكون العظيم، حيث تقوم مجرتنا الأرضية بالتباعد عن غيرها من المجرات بسرعة 980 كيلو متراً في الثانية، كما تتباعد بقية المجرات الأخرى عن بعضها في الكون الفسيح المتمدد [7].

المجرة والشمس والكواكب والقمر كلها تجري وتتحرك في الكون الفسيح

تبارك الله أحسن الخالقين
سادساً- حركات أخرى كثيرة:
ما ذكرناه في النقاط الخمسة الأولى تمثل الحركات الكونية الضخمة، لكن كما صدّرنا حديثنا في مطلع هذا القانون، أن كل شيء في هذا الوجود يتحرك، فالإلكترونات تتحرك بسرعة هائلة، والضغط الجوي والكثافة والرياح والتيارات الهوائية تعمل ضمن منظومة متكافئة يحرك بعضها بعضاً... ومن أسرار الخلايا أنها لا تحب التوقف عن العمل فهي بحاجة دائمة للحركة، فإذا لم تطلب منها النفس أي شيء لتنفذه، تشعرك بالتعب الجسماني أو الذهن – ضيق الصدر مثلاً- وتقوم الخلايا بتمثيل مرض سمعت به أنت، أو قرأت عنه وترسخت أعراضه في عقلك الباطن، لذلك نرى أن الإنسان الذي اعتاد على الحركة، لا يجد متسعاً للمرض أو التمارض – إلا في حالات المرض الحقيقي- لأن جميع عقول الخلايا في الجسم تكون منهمكة في العمل لتحقيق ما تريده نفسك...
قانون الحركة قانون قرآني صريح، أخذ مساحة كبيرة في القرآن الكريم، فلقد قرر القرآن الكريم أن كل شيء في هذا الكون يتحرك، من أدق الأشياء إلى أعظمها... ولا غرو ولا عجب من ذلك، فهو الكتاب الذي ما فرّط من شيء أبداً...
أما عن الأجرام والنجوم والشمس والقمر، فقد قرر القرآن الكريم أن هذه الأجرام السماوية كلها تتحرك... كلها تجري وفق نظام رباني بديع، ليسجل قانون الحركة في الأشياء، في الوقت الذي كان يعتقد فيه الناس أن النجوم عبارة عن مصابيح ثابتة تتلألأ في صفحة السماء ولا تعرف حركة ولا جرياً...
يقول تعالى: ] وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا شمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون[ [8].
الله أكبر ما أعظمها من أية قرآنية، شأنها شأن كل آيات القرآن الكريم في العظمة والإعجاز... هذه الآية جمعت في كلماتها الحديث عن حركة ودوران الأرض، وحركة الشمس وسرعتها، وحركة القمر ودورانه ومنازله، وحركة أجرام السماء كلها... فكيف ذلك؟
]وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون[ وكيف يسلخ الليل من النهار، وكيف يدخل الليل في النهار، وكيف يتعاقب الليل ونهار، وكيف يخلق الليل ونهار إذا كانت الأرض ثابتة لا تتحرك ولا تدور؟ لو كانت الأرض ثابتة لظلّ نصفها المواجه للشمس مضيئاً والنصف الآخر المعاكس للشمس مظلماً أبداً، ولما كان هناك تبادل لليل والنهار، فتبادل الليل والنهار من أوضح الأدلة على دوران الأرض وحركتها وهذا ما سجلته الآية القرآنية في مقطعها الأول...
]والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم[ الشمس هذا النجم الضخم ليس ثابتاً، إنما هو نجم يجري ويتحرك بسرعة هائلة، والفعل ( تجري) لا يدل على الحركة فحسب إنما يدل على السرعة في الحركة، الشمس تجري وتدور حول نفسها وفي فلكها، والعلماء اليوم يقدرون – كما مرّ معنا- سرعة الشمس بـ( 12) ميلاً في الثانية، أي ( 1036800) ميلاً في اليوم الواحد، ] لمستقر لها[ والمستقر هو نهاية حركتها، حيث تستقر فلا تتحرك، وتنطفئ وتخمد فلا تجري، وبذلك يكون بنهايتها وأداء مهمتها في الحياة، وذلك في يوم لا يعلم ميقاته إلا خالق الأكوان تبارك وتعالى...
] والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم [ وسبق وأن تحدثنا عن منازل القمر التي ينزلها خلال دورانه حول الأرض، حتى يعود من هيئة البدر إلى هيئة الهلال والمحاق وهكذا، تعبير قرآني رشيق رقيق هادئ، ينسجم مع حركة القمر الهادئة الوديعة، لكنه تعبير معجز يدل على حركة القمر وجريه... فالقمر له منازل على أبعاد مكانية مقدرة، وأشكال متوالية...
والآيات في هذا كثيرة يقول الحق تبارك وتعالى: ] هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب [ [9] ويقول الحق سبحانه تعالى: ] يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره[ [10].
آيات قرآنية صريحة الدلالة، واضحة الأبعاد والمرامي، تدل على تسخير الشمس والقمر والنجوم في حركتها وجريها في منظومة دقيقة من الخلق والإبداع، منسجمة مع حركة مجرة خلابة بديعة، متوائمة في نسقها وحركتها مع حركة المجرات الكونية بأسرها...
إنه قانون الحركة الذي يجد ذاته وهويته في القرآن الكريم، قبل جاليليو وقبل غيره من بني البشر، إنه قانون الحركة الفيزيائي، الذي يسجل ملامحه وذاته ووطنه في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد...
[1] القرآن والكون، أسامة علي خضر، ص146.
[2] النمل: 88.
[3] موسوعة الكون والفضاء والأرض، د. موريس أسعد شربل، ود. رشيد فرحات، ص10 .
[4] علم الفلك والكون، د. عواد الزحلف، ص157.
[5] العلوم الفلكية، د. إبراهيم الغوري، ص82.
[6] الموسوعة الفلكية الحديثة، عماد مجاهد، ص153، وانظر: المنهج الإيماني للدراسات الكونية، د. عبد العليم خضر، ص324، وانظر: مبادئ الجغرافية الطبيعية، د. صلاح الدين بحيري، ص32.
[7] العلوم الفلكية، إبراهيم الغوري، ص136، وانظر: علم الفلك العام، د. مرفت السيد عوض، ود. مصطفى كمال محمود، ص124 وما بعدها، بناء الكون ومصير الإنسان، هشام طالب، ص563، وانظر: الحركية الكيميائية، سليمان الخويطر، ص64، وانظر: سرعة التفاعل الكيميائي، د. نبيل عبد الواحد، ص3.
[8] يس:38.
[9] يونس:5
[10] الأعراف: 54.