القمر منير

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

     قال تعالى:) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا( [1].

     وقال تعالى:) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا( [2].

     وقال تعالى:) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ( [3].

    

    تدل هذه الآيات دلالات علمية مدهشة، أخبر عنها القرآن الكريم فكان سبَّاقاً في ميدان إثبات الحقائق العلمية التي عرفها الناس حديثاً...

    أما عن الآيتين الأولى والثانية، فهما تخبرانا أن للشمس صفتين )سراجاً( و)ضياءً( وقد حللنا هاتين الصفتين عند حديثنا عن الشمس، وعرفنا أن الشمس نجم ينتج بتفاعلاته النووية واحتراقه الداخلي حرارة قوية شديدة وضوءاً، وتلك هي صفة السراج، فالضوء الذي تصدره الشمس يكون مشحوناً بالحرارة على خلاف صفة الإنارة، فالنور من صفات القمر، والإنارة هي ما يستنير به المكان بدون حرارة، إذاً فالقمر ليس مضيئاً بذاته، ولكنه يعكس الضوء الذي يستقبله من الشمس.

     وهذا المعنى أكده العلماء والمفسرون، يقول الإمام ابن كثير: يخبر الله تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياءً وجعل شعاع القمر نوراً، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل [4].

     أما الإمام الرازي فيقول: النور اسم لأصل هذه الكيفية، وأما الضوء فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس)ضياءً( والكيفية القائمة بالقمر)نوراً( ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر [5].

     وأما الآية الثالثة فهي تخبرنا أن الله سبحانه وتعالى قد محا آية الليل، التي هي القمر بعد أن كانت ملتهبة، محاها و طمسها، وترك آية النهار مبصرة مضيئة التي هي الشمس.

     يقول الفخر الرازي: ) فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ( أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر، )فمحونا آية الليل( وهي القمر…والمراد من محو القمر الكَلَفُ الذي يظهر في وجهه…ومعنى المحو في اللغة إذهاب الأثر، تقول: محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره…) وجعلنا آية النهار مبصرة( ومعنى كونها مبصرة، أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار، فأطلق سبحانه اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم السبب على المسبب [6].

    والليل في نفسه آية، وفيه آيات، وأظهر آياته هو القمر، فيقال في القمر: آية الليل، والنهار في نفسه آية، وفيه آيات، وأظهر آياته هي الشمس، فيقال في الشمس: آية النهار...ثم إن المراد من لفظ الآية في الموضعين واحد:

   1- فإما أن يراد بها نفس الليل والنهار، والإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد للمعدود، أو يراد بها الشمس والقمر فيكون )وجعلنا الليل والنهار آيتين( على تقدير مضاف في الأول تقديره هكذا، وجعلنا نيري الليل والنهار ذوي آيتين.

   2- وإما على تقديرنا المتقدم فإن لفظ )آيتين( صادق على الليل والنهار، ولفظ آية الليل وآية النهار صادق على الشمس والقمر، وعليه يكون تقدير الآية هكذا، وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا قمر الليل، وجعلنا شمس النهار مبصرة، وهو تقدير صحيح لا معارض له من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، وسالم من دعوى تقدير محذوف، ومفيد لكثرة المعنى بأربع آيات، بالليل وقمره، والنهار وشمسه، فالتقدير به أولى، ولذلك فسرنا الآية عليه [7].

    وأما الجعل فهو إيجاد ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها، والمضاف محذوف، تقديره جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، والضياء أبلغ في كشف الظلمات من النور، وفيه صفة زائدة على النور [8].

    وفي تفسير «غرائب القرآن»: والمضاف محذوف، والتقدير: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر، حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس، فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوءها كل شيء [9].

     هذه بعض أقوال المفسرين القدامى رحمهم الله تعالى، والتي فرقوا كما رأينا بين ضوء الشمس الذي يحوي الحرارة والنور، وبين نور القمر الذي هو انعكاس عن ضوء الشمس وشعاعها، وهذا ما قاله العلماء المعاصرون، ومنهم الشيخ عبد المجيد الزنداني إذ يقول: القمر كان مشتعلاً ثم انطفئ، قال تعالى: )وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً( فآية الليل القمر، وآية النهار الشمس، ومحونا آية الليل آي طمسناها وأزلنا ضوءها، والمحو: الطمس، ولا يكون إلا بعد الإنارة، فمن هنا عرفنا أن القمر كان مشتعلاً ثم محي ضوءه والله أعلم، وهذا السر لم يعرف إلا قريباً بعد أن تيسرت الآلات للباحثين، وهذا يشهد أن محمداً (عليه السلام) قد جاءه الوحي بهذا من عند الله [10].

     إذن نستطيع أن نستخلص من معطيات الآيات القرآنية ما يلي:

أولاً: أن القمر جسم منير يكتسب نوره من الشمس، ولا يوجد فيه إضاءة ذاتية.

ثانياً: القمر كان جسماً مشتعلاً ثم انطفأ.

 

 

الحقائق العلمية:

     هذا ما أثبته العلم، فقد أصبح اليوم من المُسَلّمِ به أن القمر كان كتلة نارية ملتهبة ثم انطفأ بعد ذلك وخمد لهيبه.

    القمر جسم مظلم أساساً، وضوءه انعكاس لضوء الشمس، ويتغير الجزء المضيء من القمر من يوم لآخر في الحجم والشكل، فأول ما نراه يكون خطاً رفيعاً منحنياً مستنيراً، ثم يزداد حجمه شيئاً فشيئاً، حتى يصبح دائرة تامة، ثم يأخذ في التناقص حتى يصبح خطاً في أول ظهوره، ويطلق على هذه الأشكال أوجه القمر [11].

    و نجد المعنى نفسه في كتاب «المحيط الكوني وأسراره»: وكما هو معروف فالقمر جسم معتم مظلم بذاته، يأخذ نوره من الشمس كما تأخذه الكواكب الأخرى ويعكسه علينا، كما تفعل المرآة المعلقة في الفضاء، كما أن الأرض نفسها تأخذ نورها من الشمس وتعكسه على القمر، فيبدو جميلاً متألقاً ببهائه ولمعانه [12].

     وفي كتاب «القمر»: ويعتقد كثير من العلماء في الوقت الحالي، أن قمرنا نشأ بنفس الطريقة التي نشأت بها المجموعة الشمسية، أي إن القمر انفصل على هيئة لسان ناري أيضاً في العصور الأولى للكرة الأرضية عندما كانت في حالة شبه سائلة [13].

     ويستنتج الفلكيون هذه الحقيقة من العمر المديد لصخور النجود القمرية، أن السطوح الوعرة والمرتفعة على القمر، تكونت بعد زمن قصير من ولادته، وربما كان القمر عندها كتلة منصهرة، الأمر الذي يسمح للمادة الكثيفة الغنية بالحديد بالغوص إلى داخل القمر، في حين تطفو المادة الأقل كثافة على السطح، ولدى بلوغ هذه المادة الصخرية الأخيرة السطح، فقد تبردت وانعقدت مكونة بذلك القشرة القمرية، وتلا ذلك قصف النجود القمرية بأجرام صلبة من الفضاء، ونشأ عن ذلك العديد من الفوهات البركانية التي نراها منتشرة هناك، وفيما كان القمر يتبرد، كانت قشرته تزداد ثخانة ونظراً لهبوط المادة الأكثف إلى باطن القمر عندما كان في حالة منصهرة، فإن الحمم البركانية المندفعة من الأعماق، كانت أكثف من الصخور السطحية التي انغمرت بها [14].

 

الإعجاز:

    إن هذه الحقائق العلمية الحديثة تتفق تماماً مع النصوص القرآنية الكريمة، والتي استعرضناها في صدر المبحث، فالقرآن قد قرر منذ نـزوله على النبي (عليه السلام)  أن القمر جسم منير، ولا يوجد فيه إضاءة ذاتية، كما قرر أن القمر كان مشتعلاً يوماً ما ثم خمد نوره وانطفأ، ومع مرور الأيام وتطور أدوات البحث العلمي الحديثة، ثبت للعلماء مصداقية هذه الحقائق القرآنية المعجزة، فسبحان الله العليم الخبير.

 

 

سبحان الخالق العظيم الذي جعل القمر منيراً بهياً جميلاً

 

 

صورة تظهر إنارة القمر وفيه بعض الفوهات والوديان السحيقة

 



[1]  نوح: 16 .

[2]  يونس: 5 .

[3]  الإسراء: 12 .

[4]  تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/181.

[5]  التفسير الكبير، للفخر الرازي، 9/35، وانظر: حاشية الشهاب على البيضاوي، لشهاب الدين أحمد بن عمر الخفاجي، تحقيق، عبد الرزاق المهدي، 9/184.

[6]  التفسير الكبير، للفخر الرازي، 10/165، وانظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 5/149 .

[7] تفسير ابن باديس، عبد الحميد بن باديس، ص60.

[8]  مجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقيق هاشم المحلاتي ،  3/61.

[9]  تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، نظام الدين الحسن بن محمد القمي النيسابوري، تحقيق، زكريا عميرات، 4/329.

[10]  كتاب التوحيد، عبد المجيد الزنداني، / 1990، ص72.       

[11]  المنظومة الشمسية، عبد الأمير المرتضى المؤمن، ص171.

[12]  المحيط الكوني وأسراره، نجيب زبيب، ص67، وانظر: في أعماق الفضاء، عبد الحميد سماحة، ص43، وانظر: الفلك والأنواء في التراث، علي عبنده، 1991، ص55.

[13]  القمر، محمد علي المغربي، ص109.

[14]  استكشافات ومقدمة علم الفلك، توماست آرني، ص233.