منازل القمر

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

    في الحقيقة لا يتغير شكل القمر فعلياً، فهو يبدو بأشكال مختلفة من على الأرض، لأن ضوء الشمس ينيره بطرق مختلفة وهو يدور حول الأرض، لنقم بتجربة لرؤية كيفية حصول ذلك:

    لو خرجت في الليل مع صديقك وحملت معك كرة ومصباحاً، وسنفترض أن الكرة هي القمر، وأن المصباح هو الشمس، وأنت الأرض... امسك بالكرة واطلب إلى صديقك أن يحمل المصباح ويسلطه على الكرة، واجعل الكرة بمواجهة الضوء، ستلاحظ أنه من الصعب رؤية الكرة، ذلك لأن المصباح يضيء جهتها الأخرى التي لا تراها، ابق الكرة أمامك واستدر ببطء حول نفسك دون أن تبدل مكانك وذلك من اليمين إلى اليسار، ستلاحظ أن شكل الكرة بدأ يتغير وستبدو بعد قليل على شكل موزة، يسمى القمر وهو بهذا الشكل هلالاً.

    ومع دوران الكرة أكثر سترى جزءاً أكبر من الكرة، وسرعان ما تظهر الكرة على شكل الحرف اللاتيني Ď وبهذا الشكل يسمى القمر (قمر الربع الأول أو التربيع الأول) لأننا لا نرى إلا ربعاً واحداً منه.

    تابع دوران الكرة وستلاحظ أنها بدأت تصبح أكبر إلى أن تصل إلى شكل (الوجه الأحدب)... وعندما تصبح الكرة بمواجهة ضوء المصباح، سترى أنها أصبحت مستديرة تماماً ويسمى القمر بهذا الشكل بدراً، وإذا تابعت الدوران سيتغير شكل الكرة من الوجه الأحدب إلى شكل الربع الأخير، ثم إلى شكل الهلال ولكن بالعكس، وعندما تعود الكرة لتواجه المصباح من جديد نسمي هذا الشكل (قمراً جديداً) لأن دورة جديدة له ستبدأ [1].

    ومن الحقائق التي قد تحيّر القرّاء وتثير دهشتهم، هو أن القمر يدور حول نفسه ومع ذلك لا نرى منه سوى نصف معين لا يتغير على مرّ الأيام، وسبب ذلك أن مدة دورته حول نفسه تساوي مدة حركته حول الأرض، وتفسير ذلك يصبح أكثر وضوحاً إذا قمنا بعمرة فإن الذي يطوف حول الكعبة يكون وجهه (هكذا فلنفترض) دائماً موالياً شطره  - أي يطوف ووجهه دائماً تجاه الكعبة وليس جنبه الأيسر- فإذا وقف شخص عند الباب وراح يراقب الذي يطوف فإنه يرى ظهره أولاً، ثم جانبه الأيسر، ثم وجهه ثم جانبه الأيمن، وأخيراً يرى ظهره مرة أخرى، فكأنما المعتمر دار حول نفسه مرة واحدة في الوقت نفسه الذي دار فيه حول الكعبة.

    والآن لو اتخذ الشخص المراقب مكان الكعبة، أي لو دار المعتمر حول هذا الشخص فإن وجه المعتمر الطوّاف يكون متجهاً نحوه دائماً ولا يمكنه رؤية ظهره على الإطلاق، ولا يرى منه سوى نصف معين طوال الوقت، في حين أن هذا الزائر قد دار حول نفسه دورة كاملة.

 

3- أبعاده:

    يبلغ قطر القمر ما يزيد قليلاً على ربع قطر الأرض أي 3477كلم، أما مساحته فتقل ثلاث عشرة مرة ونصف عن مساحة الأرض، وحجمه 49,5 أقل من حجم الأرض أي إن حجم الأرض يزيد عن حجم القمر بخمسين مرة تقريباً.

    وكتلة القمر (81) مرة أقل من كتلة الأرض، وكثافته تعادل ستة أعشار كثافة الأرض وينتج عن هذا الفرق في الكتلة فرقاً في شدة الجاذبية، فالقوة الجاذبية للأجسام على الأرض تساوي ستة أضعاف مثيلتها فوق القمر، والجسم الذي يزن 6 كلغ على كوكبنا لا يزن هناك سوى كلغ واحد [2].

 

 4- سطح القمر:

    أول ما يلفت النظر هو وعورة سطح القمر، بما فيه من سلاسل جبلية وقمم وتلال وهضاب وفجوات وغيرها، وأعجب ما فيها تلك الفجوات التي قد يصل قطرها فتحتها إلى مائة وخمسين ميلاً،ً يحيط بها غالباً حائط ارتفاعه ميلان، كما أن الكثير من تلك الفجوات تحوي في منتصفها قمماً جبلية قد ترتفع إلى أكثر من ميل، وقد فسّر الفلكيون هذه الفجوات بتفسيرين:

الأول: إن هذه الفجوات هي فوهات لبراكين كانت ثائرة في الأزمنة القديمة ثم خمدت على مرّ السنين والأيام، ودليلهم على ذلك التشابه بينها وبين فوهات البراكين الأرضية.

الثاني: ويرى بعض الفلكيين باحتمال كونها نتيجة لتصادم النيازك مع سطح القمر ويستشهدون على ذلك بالفجوة الموجودة في صحراء أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية والتي يرجح أنها من فعل النيازك [3].

    ومن سلاسل الجبال على سطحه ما يمتد إلى450 ميلاً، ومنها ما يشمل على أكثر من 3000 قمة أعلاها جبل ( هيجنز) الذي يبلغ ارتفاعه الألفي قدماً، ومن البدهي أن مثل هذه الجبال سهلة التسلق لو أتيح لإنسان أن يذهب إلى القمر، لضعف الجاذبية على سطحه نسبياً...وفي القمر أودية كثيرة تعد بالألوف منها ما هو واسع كالسهول الفسيحة ومنها ما هو ضيق كمجاري الأنهار...

    وللتجاذب بين الأرض والقمر الأثر الأكبر في إحداث المد والجزر ولهذه الظاهرة أهميتها العظيمة في شؤون الملاحة البحرية، إذ يترتب عليها دخول البواخر في كثير من الموانئ وخروجها منها، وليست هذه الجاذبية من القوة بحيث تجعل دقائق اليابسة تتحرك غير أن مياه البحار تضيعها فتتجمع ويرتفع سطح الماء في اتجاه القمر وهو ما يسمى مداً، ثم يعود الماء إلى الانخفاض ويسمى انخفاضه جزراً.

    ولو فرضنا أن هناك من العوامل ما ينتج عنه اقتراب القمر من الأرض إلى مسافة ستين ألف ميلاً، بدلاً من مائتين وأربعين ألفاً، لارتفع المد عندئذ ارتفاعاً هائلاً يقدر بأربعة وستين مرة من مقداره الحالي، ويغمر الموانئ كلها، بل قد لا ينجو من اليابسة إلا الجبال والربوات العالية [4].

 

 

هذه صورة للفوهة " كاسيني " إحدى الفوهات الشهيرة على سطح القمر التابع، يبلغ قطر هذه الفوهة 57 كيلو متراً.

 

التقط المسبار " سمارت ون " صورة لفوهة حديثة التكوين على سطح القمر، وذكر العلماء  أن هذه الفوهة هي نتيجة اصطدم جرم سماوية بالسطح.

 

صورتان تظهران تلالاً وودياناً وصخوراً للقمر

للقمر تأثير على مد وجزر البحار

 

5- الغلاف الجوي للقمر:

    القمر ليس له غلاف جوي، وقد توجد جيوب صغيرة من الغاز تتكون بين الحين والآخر، ولكن هذه مثلها مثل تلك التي قد تتكون فوق كوكب عطارد التي تبدو في الفضاء، إذ أن سرعة الإفلات من القمر تبلغ 1,5 ميلاً في الثانية فقط، والجزيئات الوحيدة التي يمكن أن تكون غلافاً جوياً بأية صورة، هي جزيئات لبعض الغازات الخاملة الثقيلة مثل الترينون والكريتون، ولكن هذه العناصر نادرة جداً.

    وافتقار القمر إلى الغلاف الجوي مكننا من أن نميز معالمه بغاية الوضوح، والأجزاء الأكثر ظلمة من القمر تدل على اختلاف خواص السطح لعكس الضوء، ويظهر هذا الاختلاف بوضوح عند النظر إلى القمر أو عند تصويره خلال التلسكوب وهو بدر، وإذا نظرنا إلى القمر خلال التلسكوب لشاهدنا تعرجات على طول الحد الفاصل بين الجزء المنير والجزء المظلم من القمر ( أي بين الليل والنهار) وهذه التعرجات لا تكون قاصرة على المواد الموجودة على السطح، بل تشمل أيضاً المواد الموجودة في العمق [5].  

 

6- خسوف القمر:

    ينتج خسوف القمر عن دورانه حول محوره وحول الأرض، وعن دوران الأرض حول الشمس، وهو يحدث عندما يقع في مخروط ظل الأرض وهي بينه وبين الشمس فتحجب الأرض نور الشمس عنه وتظلم صفحته المنورة كلها في الخسوف الكلي، وجزءاً منها في الخسوف الجزئي، وبما أن وجه القمر لا يكون مكتمل الإنارة إلا عندما يصبح بدراً، فإن الخسوف الكلي لا يحدث إلا في هذه الحالة، إذ يصير القمر داخل مخروط ظل الأرض، وعندما يخرج قليلاً من هذا المخروط إلى منطقة شبه الظل يصبح الخسوف جزئياً  [6]

- تأثير القمر على الكائنات الحية:

    لاحظ الأستاذان الفرنسيان جو بيت jobert وجاليه دي فوند  galle defnd أن القمر له تأثير على الحيوانات، فمنذ مولده كهلال إلى بلوغه مرحلة البدر الكامل، يكون هناك نشاط جنسي عند الحيوانات والدواجن والطيور، حتى إنهما لاحظا أن الدواجن تعطي بيضاً أكثر في هذه الفترة منها في فترة الشيخوخة عندما يبدأ القمر في الانضمار التدريجي إلى أحدب فتربيع أخير ثم إلى المحاق، فهناك فترة نشاط وفترة فتور في الحيوانات ترتبط بأوجه القمر وذلك حسب ملاحظتهما الخاصة [7].

    والحقيقة أن هذه القضية تحتاج إلى مزيد من الدراسات والملاحظات على مختلف أصناف الكائنات الحية، لنتثبت هل للقمر تأثير عليها، كالمزروعات والمحاصيل والنباتات، وعلى نموها وثمارها وغير ذلك... وكذلك على الإنسان لأن القمر الذي يجذب الأرض فيرفع من مستوى مياه البحار والمحيطات ونسبة الماء في الأرض تقرب من 70 % - هو الذي يجذب جسم الإنسان- ونسبة الدم فيه تقرب من 70% فهل يرتفع معه ضغط الدم حين يكون القمر بدراً؟ وما الإعجاز في ذلك؟.

 

 

    بعد هذه المعلومات العامة الموجزة عن القمر، نبدأ في الحديث عن الإعجاز القرآني يوم أثبت أن القمر جسم بارد يكتسب نوره من الشمس، وليس متوهجاً مثلها، كما أن القرآن قرر أن القمر كان مشتعلاً في فترة من الفترات ثم انطفأ، وسنتحدث عن معجزة عظيمة خلدها القرآن الكريم في صفحاته، ألا وهي معجزة انشقاق القمر، التي وقعت للنبي (عليه السلام) ويأتي العلم اليوم ليؤكد انشقاق القمر، ونتحدث عن قرار القرآن بإمكانية غزو الفضاء، والصعود في طبقاته، كما سنتطرق للحديث عن الإعجاز القرآني في السنة الشمسية والقمرية، ونذيلها بالحديث عن منازل القمر، ويختم الفصل بالحديث عن نهاية القمر وعن الصورة الدقيقة التي وضعها القرآن الكريم لنهايته، والتي أكدها العلماء بشكل دقيق.



[1]  اكتشف الفضاء والكواكب والنجوم، مفيد عبد الخالق، الدار العربية للعلوم، ص44، وانظر: عالم الأفلاك، د. إمام إبراهيم محمد، ص56.

[2]  من الذرة إلى المجرة، محمد صالح المحب، ص28، وانظر: المجموعة الشمسية، د. زين العابدين متولي، ص54.

[3]  عالم الأفلاك، د. إمام إبراهيم محمد، ص59.

[4]  في أعماق الفضاء، د. عبد الحميد سماحة، ص46، وانظر: الجغرافيا الفلكية د. أنور عبد الغني العقاد، ص155.

[5]  موسوعة عالم الكون والفضاء، د. أشرف أبو سنينة، ص83.

[6]  من الذرة إلى المجرة، محمد صالح المحب، ص28، وانظر: الموسوعة الفلكية د. زينب منصور، ص 79.

[7]  القمر، محمد علي المغربي، ص135.