انشقاق القمر
بقلم: الدكتور مروان شعبان
قال تعالى:) اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ( [1].
وقال سبحانه:) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَق،َ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ( [2].
انشقاق القمر معجزة من أعظم المعجزات الحسية التي خلّدها القرآن الكريم وثبتت في الصحاح وهي مكرمة إلهية لرسوله (عليه السلام) ، ولم ينشقَّ القمر لأحد من قبله من أنبياء الله ومرسليه، وقد رأها الناس رأي العين، وشاهدوا انفلاق القمر إلى فلقتين في كبد السماء، وسألوا أهل البوادي والقوافل الرَّحالة عن ذلك فما أنكر منهم أحد، إلا من ركب رأسه، وآثر الجحود السافر على دلائل الحق وبراهين الهدى.
روى الطبري بسنده في تفسيره، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبيُّ، وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال ألا إن الله يقول: )اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ( ألا وإن الساعة قد اقتربت،ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد أذنت بفراق وإن اليوم مضمار وغداً السباق… [3].
وفي تفسير الإمام القرطبي: وقال قوم: لم يقع ٱنشقاق القمر بعدُ وهو منتظر، أي ٱقترب قيام الساعة وٱنشقاق القمر، وأن الساعة إذا قامت ٱنشقت السماء بما فيها من القمر وغيره، وكذا قال القشيري، وذكر الماورديّ: أن هذا قول الجمهور، وقال: لأنه إذا ٱنشق ما بقي أحد إلا رآه، لأنه آية والناس في الآيات سواء [4].
وفي تفسير «البحر المحيط»: معناه: أنه ينشق يوم القيامة، ويرده من الآية قوله: )وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ( فلا يناسب هذا الكلام أن يأتي إلا بعد ظهور ما سألوه معيناً من انشقاق القمر، وقيل: سألوا آية في الجملة فأراهم هذه الآية السماوية، وهي من أعظم الآيات، وذلك التأثير في العالم العلوي [5].
ويقول الحافظ بن كثير: ) وانشق القمر ( قد كان هذا في زمان رسول الله r كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة...وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي (عليه السلام) وأنه كان إحدى معجزاته الباهرات [6].
وكما ذكر ابن كثير بأن الأحاديث في هذه المعجزة ثابتة وكثيرة، ومنها ما ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عبد الله رضي الله عنه قال: انشق القمر ونحن مع النبي (عليه السلام) ، بمنى فقال النبي (عليه السلام): اشهدوا، وذهبت فرقة نحو الجبل [7].
اختلف المفسرون كما رأينا إزاء هذه القضية إلى فريقين، فريق يرى بأن معجزة انشقاق القمر قد وقعت في عهد النبي (عليه السلام) وآمن من آمن يومذاك، وكفر من كفر.
وفريق يرى الأمر على العكس من هذا تماماً، حيث إن انشقاق القمر لم يقع بعد، وسوف ينشق القمر قبل قيام الساعة، وكما نقل القرطبي في تفسيره عن الماوردي أن هذا قول الجمهور، لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه، لأنه آية والناس في الآيات سواء.
ولحسن الحظ، ولكي تتأكد هذه المعجزة القرآنية، فإن علماء الفلك هم كذلك قد ذهبوا من المسألة مذهبين، واختلفوا إلى رأيين، فمنهم من يرى أن القمر قد انشق يوماً من الأيام، وهذا الرأي هو رأي العلماء الأمريكان الذين هبطوا على سطح القمر، ومنهم من يرى أن القمر سينشق في المستقبل، وهذا رأي معظم الفلكيين.
الحقائق العلمية:
أما بالنسبة لمن رأى أن القمر قد انشق يوماً ما، وهم علماء الفضاء الأمريكان، فإني أنقل رأيهم وأثبته هنا عن الأستاذ الدكتور زغلول النجار، الذي أكد أن القمر قد انشق ودلل على ذلك من خلال سؤال طرح على علماء الفلك في ناسا الأمريكية وهو: ماذا استفدتم من رحلتكم إلى القمر والتي قد كلفتكم أكثر من مائة مليون دولار، ولو أنكم قدمتم هذه الأموال كمساعدة إنسانية إلى الفقراء أما كان هذا بأفضل ؟.
وكان الجواب، إن أعظم شيء اكتشفناه خلال رحلتنا إلى القمر، أننا قمنا بتثبيت المراجف على سطح القمر لرصد الزلازل التي تحدث فيه، وللكشف عن بنيته، وبنتيجة ما قدمته تلك المراجف من معلومات، تبين لنا أن القمر يحوي حزاماً حجرياً متحركاً على عرضه، مما يدل بوضوح على أن القمر قد انقسم إلى قسمين يوماً ما ثم التحم.
يقول الدكتور زغلول النجار: لقد دوّن كل من التاريخ الهندي والصيني القديم حادثة انشقاق القمر، وأرّخوا بها، وفي محاضرة لي بكلية الطب{جامعة كارديف}في مقاطعة {ويلز} غربي بريطانيا، منذ عدة سنوات مضت وجه إلي أحد الحضور من المسلمين سؤالاً عن الآيات في مطلع سورة القمر، وهل تمثل ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله؟، فأجبت بأن هذه الواقعة تمثل إحدى المعجزات الحسية التي وقعت تأييداً لرسول الله (عليه السلام) في مواجهة كفار ومشركي قريش، وإنكارهم لنبوته (عليه السلام) ، وأن المعجزات خوارق للسنن، وعلى ذلك فإن السنن الدنيوية لا يمكن لها تفسير كيفية حدوث المعجزة، ولولا ورودها في كتاب الله، وفي سيرة رسول الله (عليه السلام) ما كان علينا نحن مسلمي اليوم أن نؤمن بها، ولكننا نقر بها، ونؤمن بوقوعها لورودها في كتاب الله بالنص الإلهي الذي يقول فيه ربنا: )اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغنى النذر( [8] وبعد انتهاء حديثي، وقف رجل بريطاني من الحضور واستأذن في أن يضيف شيئاً إلى إجابتي فأذنت له، ثم بدأ بتعريف نفسه على أن اسمه داود موسى بيد كوك، وأنه مسلم، ويرأس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم أضاف أن هذه الآيات في مطلع سورة القمر كانت هي السبب في إسلامه في أواخر السبعينات من القرن العشرين، لأنه ببحث مستفيض في الأديان أهداه أحد المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وأنه عند فتح هذه الترجمة لأول مرة فوجئ بسورة القمر، فقرأ الآيات في مطلعها، ولم يكد يصدق أن القمر قد انشق ثم التحم فأغلق الترجمة وانصرف عنها، ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يشاهد على شاشة التلفاز البريطاني { B.B.C.} برنامجاً عن رحلات الفضاء، استضاف فيه المذيع البريطاني جيمس بيرك{ James Burke} ثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين، وذلك في سنة 1978، وفى أثناء الحوار كان المذيع ينتقد الإسراف على رحلات الفضاء بإنفاق بلايين الدولارات، والأرض يتضور فيها ملايين البشر من الجوع، والمرض، والجهل، والتخلف، وكان جواب العلماء أنه بفضل هذه الرحلات ثم تطوير عدد من التقنيات الهامة التي تطبق في مجالات التشخيص والعلاج الطبي، والصناعة، والزراعة وغيرها، وفى أثناء هذا الحوار جاء ذكر أول رحلة إنزال رجل على سطح القمر، وقد تكلفت أكثر من مائة مليار دولار، وجلس المذيع يتابع عتابه على هذا الإسراف، فرد العلماء بأن هذه الرحلة قد أثبتت لهم حقيقة لو أنفقوا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ما صدقهم أحد، فسأل المذيع: ما هي هذه الحقيقة؟ فأجابوا: أن هذا القمر قد سبق له أن انشق ثم التحم، وأن آثار محسوسة تؤيد ذلك الحدث قد وجدت على سطح القمر وامتدت إلى داخله، فقال السيد بيدكول: حينما سمعت ذلك قفزت من الكرسي الذي كنت أجلس عليه أمام التلفاز، وقلت: معجزة تحدث لمحمد قبل ألف وأربعمائة سنة ويرويها القرآن بهذا التفصيل العجيب، يسخر الله من يثبتها للمسلمين في عصر العلوم والتقنية الذي نعيشه، وينفق هذا المبلغ الكبير، لابد وأن يكون هذا الدين حقاً، وعدت إلى ترجمة معاني القرآن الكريم أقرأها بشغف شديد، وكانت آيات سورة القمر هي السبب المباشر لقبولي الإسلام دينا [9].
وأما بالنسبة للفريق الثاني والذي يرى بأن القمر سينشق في المستقبل، فهم كثر بل إن معظم من كتب من الفلكيين حول القمر تحدث عن انقسام القمر وانشقاقه في المستقبل، وسأسوق هنا ما ورد في «موسوعة المعارف الكونية» حول هذا الموضوع: كان القمر قريباً من الأرض عقب الانفصال منذ بلايين السنين، وأخذ يبتعد عنها تدريجياً للدوران حولها في مدار ظل يتسع تدريجياً لزيادة السرعة المدارية للقمر، تعويضاً عن الإبطاء الحادث في سرعة الدوران المغزلي للأرض بتأثير ظاهرة المد والجزر وهذا التعويض لابد أن يحدث تلقائياً للحفاظ على كمية تحرك مجموعة الأرض والقمر معاً، كنظام مغلق مرتبط ببعضه بعضاً، ولقد ثبت علمياً وعملياً أن الأرض تبطئ بمقدار 0,002 من الثانية في زمن اليوم الواحد كل مائة سنة، لذلك يسرع القمر في مداره فيزداد الطرد المركزي، لدرجة أن القمر يرتد عنا حالياً بمعدل مسافة 4سم سنوياً، وهذا الارتداد رغم ضآلته بالنسبة لنصف مدار قطر القمر حول الأرض حوالي "384000 كم" فإن الإزاحات الضئيلة الناتجة عنه تراكمت عبر ملايين السنين حتى وضعت القمر في مداره الحالي، ويعتقد العلماء أن هذه الظاهرة وعوامل أخرى تؤثر على سرعة دوران الأرض حول نفسها، مما يؤثر بدوره على اختلال توازن القمر في مداره في المستقبل، لأن زيادة سرعته حول نفسه أو حول الأرض ستؤدي حتماً إلى انشقاق القمر تماماً، كما يتفتت الشيء عندما يتسارع دائراً في خلاط كهربائي، أو عندما تختل الجاذبية على نصفيه وعندئذ سيرى الناس القمر منشقاً [10].
وهكذا فإن ما توصل إليه العلماء من دراسات وأبحاث، تدل بمجملها دلالة واضحة على أن القمر قد انشق أو بالتأكيد سينشق، وفي هذا تأكيد على عظمة هذا القرآن وعلى سبقه في إثبات الحقائق العلمية والكونية.
وأما بالنسبة للشق الثاني من هذا المبحث، وهو قوله سبحانه وتعالى:) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَق،َ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ(، فإن الواقع فسّر هذه الآية الكريمة وركب الإنسان حقاً طبقاً عن طبق عندما نزل على سطح القمر، واخترق طبقات السماء المتعددة.
ففي 20 تموز سنة 1969 نزل الرائدان الأمريكيان "نيل أرمسترنغ" و"أدوين ألدرين" على سطح القمر، كأول إنسانين يطآن جرماً خارجاً عن الأرض، وتلت هذه الرحلة التاريخية الناجحة ست رحلات من طراز "أوبللو" أنزلت رواداً على سطح القمر…وكان تاريخ نزول "أرمسترنغ" و"ألدرين" في 20 تمز 1969، وقد بقي الرائدان على سطح القمر مدة 22 ساعة و 40 دقيقة وضعا خلالها أجهزة علمية متنوعة، كمقياس الزلازل لقياس الهزات القمرية، وقياس البراكين وغيرها إضافة إلى بعض الرموز التذكارية كعلم أمريكا وغيره…وقد بدأت الرحلة في 16 تموز 1969 واستمرت 195 ساعة و 20 دقيقة، وأنهت أعمالها في 24 تموز [11].
الإعجاز:
مما سبق يتضح لنا أن المفسرين رحمهم الله تعالى، وعلماء الفلك كذلك قد اختلفوا في وقت وقوع حادثة انشقاق القمر، فمنهم من ذهب إلى أن القمر قد انشق زمن النبي r ، ومنهم من رأى بأن القمر من دلائل الساعة وأن انشقاقه سيتزامن مع الأحداث التي تواكب قيام الساعة، كما أن علماء الفلك قد اختلفوا بين مؤكد على أن القمر قد انشق، وبين مؤكد على أنه سينشق في المستقبل وتبقى الآية القرآنية معجزة فوق هذا وذاك، وأنها أثبتت أن القمر قد انشق، لتكون سباقة إلى إثبات هذه الحقيقةالعلمية التي توصل غليها باحثو اليوم.
كما أن الناحية العلمية في قوله تعالى:) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَق،َ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ( قد اتضحت وأصبحت جلية للعالم كله، فلقد اخترق الإنسان عدة طباق ووصل إلى القمر، وما كان أحد يتصور يوم نـزول القرآن ولا يصدق بأن الإنسان سيصعد إلى السماء، ولا حتى قبل مائتي سنة، إلا أن القرآن قد أشار إلى إمكانية غزو الفضاء إن ترقى الإنسان في مدارج العلم، وملك زمام العلم وسلطانه، قال تعالى:) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ( [12].

رائد فضاء على سطح القمر

صورة توضح رائد فضاء مع مركبته على سطح القمر.
[1] القمر، الآية 1.
[2] الانشقاق، الآيتان 18-19.
[3] جامع البيان،للطبري، 12/ 51،وانظر: معاني القرآن، يحيى بن زياد الفراء، 3/104.
[4] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 17/82.
[5] البحر المحيط، محمد بن علي ابن حيان الأندلسي، 7/215.
[6] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4/427 .
[7] رواه البخاري، في فضائل الصحابة ،باب انشقاق القمر، رقم ( 3656)، 3/1404، وأحمد في مسنده،رقم (4357)،1/ 456 .
[8] القمر: 1-5.
[9] السماء في القرآن الكريم، د. زغلول النجار، ص543.
[10] المعارف الكونية، إعداد، نخبة من العلماء، ص184.
[11] المنظومة الشمسية، عبد الأمير المرتضى المؤمن، ص173.
[12] الرحمن: 33.