وجمع الشمس والقمر
بقلم: الدكتور مروان شعبان
قال تعالى: )وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [1](.
تتحدث هذه الآية الكريمة عن حدث من الأحداث التي ستتزامن مع قيام الساعة، وتتساور مع خراب الكون ودماره، والشمس والقمر كما تنص الآية القرآنية سوف يجتمعان، وهذه الصورة القرآنية أسهب علماء الفلك بالحديث عنها، من أن الشمس سيكبر حجمها وتجتمع مع القمر، ولا شك أنهم لا يعرفون الآية القرآنية ولم يقرؤوها، بحكم توغلهم في العلوم المادية التطبيقية وبعدهم عن القرآن، كما أنهم تحدثوا عن دوران القمر حول الأرض، وأنه خلال دورانه يبتعد شيئاً فشيئاً عن الأرض، ولو بنسبة قليلة إلا أن هذا الابتعاد سيوقعه في جاذبية الشمس ويجتمع معها يوماً ما، وقبل أن نصغي لهذه النتائج العلمية الفلكية، نسوق بعض أقوال المفسرين في الآية الكريمة.
يقول الإمام الرازي: قوله: )وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ( فيه مسائل: المسألة الأولى، ذكروا في كيفية الجمع وجوهاً أحدها، أنه تعالى قال: )لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ) [2] فإذا جاء وقت القيامة أدرك كل واحد منهما صاحبه واجتمعا وثانيها، جمعا في ذهاب الضوء، فهو كما يقال مثلاً: الشافعي يجمع ما بين كذا وكذا في حكم كذا وثالثها، يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار، وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر، فهناك نار الله الكبرى [3].
وفي تفسير «غاية البيان»: وجمع الشمس والقمر، يخسف القمر ويذهب ضؤوه، ويصطدم بالشمس لضعف ما كان بينهما من تماسك، فتكون نهاية العالم [4].
وفي تفسير «بحر العلوم»: ويقال:جمع الشمس والقمر، يعني، سوى بينهما في ذهاب نورهما، وإنما قال: وجمع الشمس والقمر، ولم يقل وجمعت، لأن المؤنث والمذكر إذا اجتمعا، فالغلبة للمذكر [5].
وقال الإمام القرطبي: أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما، فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه...وقال ٱبن عباس وٱبن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مُكوَّرين مظلمين مُقرَنَين كأنهما ثوران عَقيران، وقال عطاء: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى، وقال علي وٱبن عباس: يجعلان في نور الحجب، وقد يجمعان في نار جهنم، لأنهما قد عبِدَا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم، وقيل: يجمع الشمس والقمر فلا يكون ثَمَّ تعاقب ليل ولا نهار [6].
هذا هو النبأ القرآني حول مصير القمر الذي سيجتمع مع الشمس، وهذه هي معطيات النصوص القرآنية الكونية، ولقد توصل علماء الفلك إلى هذه الحقيقة بعد بحث ودراسة مضنيين.
الحقائق العلمية:
ففي كتاب «النهاية» والذي يتحدث عن نهاية الكون والأفلاك، يشير إلى أن كوكب الشمس سيصبح عملاقاً أحمر ويلتقم بعض كواكبه بما فيهم القمر: وستبدو الأرض لمن ينظر إليها من خارجها محجوبة بغطاء مثلما يبدو لنا الزهرة الآن، ويسود منظر السحاب حمرة شديدة حتى تؤدي الحرارة إلى غليان المحيطات تماماً، وتتبخر السحب والجو إلى الفضاء، ويصبح الكوكب العاري بلا وسيلة دفاع في وجه العملاق الأحمر الذي يملأ كل سماء وقت النهار، ولا يوجد أي أمل بالنسبة لعطارد والزهرة، فهذان الكوكبان سيتم التهامهما داخل الشمس المتضخمة، وإذا ظلت الأرض تقبع في الخارج، فإنها ستصبح ملفوحة وقفراء، بلا حياة [7].
وهذا الأمر حاصل، عندما تتضخم الشمس لتبتلع الكواكب الثلاثة الأولى، عطارد والزهرة والأرض ومعها القمر، فهاهنا يجتمع الشمس والقمر، حين تصير الشمس عملاقاً أحمر قبل تكويرها إلى قزم أبيض، وهذا ما سيحصل لمستقبل النظام الشمسي [8].
ونجد الحقيقة ذاتها في «المعارف الكونية»: فالشمس سوف تنتفخ عند شيخوختها لتصبح عملاقاً أحمر، أكبر ملايين المرات من الحجم الذي هي عليه الآن، وبذلك سوف يتحول لونها من الأصفر إلى الأحمر، أي تقل درجة حرارتها السطحية من 6000ْ إلى 3000ْ، لاتساع مساحة سطحها المنتفخ لتبلع عندئذ الكوكبين القريبين عطارد والزهرة وتلتهمهما التهاماً، ويتحولان بذلك إلى دخان في باطن العملاق، وتستمر الشمس العملاقة الحمراء في الانتفاخ فتبتلع قمر الأرض، ثم يصل سطحها بلونه الوردي إلى السحاب فوق رؤوسنا، فيخطف أبصارنا لشدة الالتماع والبرق، وعندئذ تشتعل البحار والمحيطات على سطح الكرة الأرضية، لتحلل مائها في هذه الحرارة المرتفعة إلى أيدروجين يشتعل وأكسجين يساعد على الاشتعال [9].
وفي لقاء مع الدكتور زغلول النجار، سألته عن هذه القضية فأجابني الحقائق نفسها العلمية التي أثبتناها هنا، إلا أنه زاد وأشار إلى لطيفة هامة حول جمع الشمس والقمر فقال: إن القمر خلال دورانه حول الأرض يبتعد عن مساره كل فترة زمنية شيئاً من الثانية، وبمرور السنوات والأحقاب سوف ينفلت من جاذبية الأرض ليقع في جاذبية الشمس وعندها يجمع مع الشمس، وهذا مصداق لقوله تعالى: )وجمع الشمس والقمر(.
الإعجاز:
سبحان الله العظيم هذا الذي توصل إليه العلماء من حقائق كونية، وأثبتوا أن القمر سيجمع مع الشمس، إلا أن كتاب الله قد سبقهم إلى تقرير هذه الحقيقة العلمية العظيمة، مما يحتم على الناس أجمع أن يعلنوا الخضوع والولاء لهذا الكتاب العظيم.
[1] القيامة: 9.
[2] يس: 40.
[3] التفسير الكبير، للفخر الرازي، 30/725، وانظر: تفسير ابن عباس، إعداد، عبد العزيز بن عبد الله الحميدي، ص 949.
[4] غاية البيان، حسن علون وآخرون، 6/114، وانظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي، 29/254.
[5] بحر العلوم، للسمرقندي، 3/520.
[6] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 19/95.
[7] عالم المعرفة، النهاية، فرانك كلوز، ص292.
[8] خلق الكون، محمد باسل الطائي، ص42.
[9] المعارف الكونية، مجموعة من العلماء، ص57.