البرق و البرد بين القرآن والعلم

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

المقدمة:

 قال سبحانه وتعالى: ) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ( [1] .

    تبرز الآية الكريمة مظهراً من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى ، وهذا مظهر يتمثل في آية من آيات الله، إنه البرق.

    ( والبرق: الذي هو لمعان السحاب ) [2] ، وهو ذو جناحين، جناح فاض بالبشرى الحبور، لأنه يبشر بهطول المطر ودرّ الغيث من السماء لتنتشر الرحمة على العباد، وجناح يحمل الإنذار، ويدخل الهلع والقلق على النفوس، فترتعد الفرائص، وتصفر الوجوه وتنـزوي القوى.

    فالله سبحانه وتعالى يرينا البرق الذي يحمل هذين المعنيين -الخوف والطمع- لتلهج ألسنتنا بذكر الله وتسبيحه وتحميده، لأن الكون كله يسبح الله من ملائكة ورعد وبرق وشجر وحجر، لكننا نحن معاشر البشر لا ندرك كنه هذا التسبيح حقيقة، ويرسل العزيز الجبار الصواعق فيصيب بها من يشاء من عباده و يعذب بها من يريد، ليعلم الذين غفلوا عن الله أن الله شديد المحال، شديد البطش والقوة يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء .

    ولقد أشار الحق سبحانه وتعالى إلى أن البرق والصواعق التي يرسلها تسبب الهلاك والموت قال تعالى:) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ( [3].

    فالصواعق قاتله، ومهلكة للممتلكات ومزهقه للأرواح، ومدمرة لقواعد البشر المعمرية والعملية والبرية والبحريةزدْ على ذلك فإن الشحنات الكهربائية التي تصدر عن البرق، تؤدي إلى العمى  قال تعالى في ذلك:) يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ(.

    إن هذه الحقائق التي ذكرها القرآن الكريم عن الصواعق والبرق والرعد، معجزة كشف العلم عنها يوم توفرت له أجهزة البحث المتطورة...والآية الكريمة أخذت معنا مبحثاً كاملاً، وكنا قد استعرضنا آراء المفسرين واللغويين فيها، إلا أننا نورد هنا قولاً واحداً فيما يتعلق بالبرد والبرق في هذه الآية الكريمة، يقول  ابن كثير:( )وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ (معناه أن في السماء جبال برد ينـزل الله منها البرد...)يَشَاء ( يحتمل أن يكون المراد بقوله:)فَيُصِيبُ بِهِ ( أي بما ينـزل من السماء من نوعي المطر والبرد، فيكون قوله:)فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء (رحمة لهم )وَيَصْرِفُهُ مَا يَشَاء( أي يؤخر عنهم الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله سبحانه:)فَيُصِيبُ بِهِ ( أي بالبرد نقمة على من يشاء، لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم ويصرفه عمن يشاء أي رحمة بهم، وقوله سبحانه:) يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلاْبْصَـٰرِ( أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته ) [4].

    ولنأخذ مفردتين من الآية ونرى معناهما اللغوي، {برق، ورعد}.

    أما البرق، فهو:( البرق، واحد بروق السحاب، والبرق الذي يلمع في الغيم، وجمعه بروق وبرقت السماء تبرق برقاً، و أبرقت جاءت ببرق، والبرقة، المقدار من البرق وقرىء: يكاد سنا برقه فهذا لا محالة جمع برقة، ومرت بنا الليلة سحابة براقة و بارقة، أي سحابة ذات برق ) [5].

    وأما الرعد، فمعناه:( الصوت الذي يسمع من السحاب، وأرعد القوم وأبرقوا، أصابهم رعد   وبرق، ورعدت السماء ترعد و ترعد رعداً و رعودا و أرعدت، صوتت للإمطار ) [6].

    ومن الممكن أن نستخلص بعض المعطيات من الآية القرآنية، ثم سنرى أن ما حددته الآية من حقائق علمية، جاء العلم ليثبته ويكتشفه في عصرنا.

    أولاً: تحدد الآية الكريمة وجود البرد في السحب الركامية على وجه الخصوص.

    ثانياً: أثبتت الآية أن للبرد برقاً، وأن البرد هو الذي يسبب حصول البرق، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: )يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار(، فالضمير في )برقه( يعود إلى أقرب مذكور، ألا وهو البرد، والعجب أن جلّ المفسرين رضي الله عنهم، أرجعوا الضمير إلى السحاب، وليس إلى أقرب مذكور "البرد".

ثالثاً: أشارت الآية الكريمة إلى أن لمعان البرق يؤدي إلى العمى،) يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار( وهذا ما أكده العلماء على ما سنرى.

  

 

الحقائق العلمية:

تحدث العلماء وبإسهاب شديد عن البرد والبرق، وأوضحوا أن السحب الركامية هي وحدها التي يكون فيها البرد، والذي بسببه يحصل البرق، ففي «موسوعة المعارف الكونية»:( لقد ثبت علمياً أن جميع السحب مشحونة كهربائياً، وتبلغ الشحنات أقصاها في السحب الركامية العاصفية...وتبعد الواحدة عن الأخرى من 1 إلى 10 كم،  والصاعقة مؤلفة من بروق متعددة، تم تصويرها بآن واحد تشكل معظمها بين السحب وسطح الأرض، ولكن يوجد منها ما يتشكل بين السحب نفسها  وتسمى هذه بالبروق الخطية والتي يصل فيها طول الخط الواحد بضعة كيلومترات، وقد تتمحض العاصفة عن عدة آلاف عملية من عمليات التفريغ الكهربي {البرق} وقد يصل طول الشرارة الواحدة  1,5 كم، عندما يتم التفريغ بين السحابه والأرض{صاعقة}، أما طولها عندما يحدث التفريغ بين السحب فهو يزيد عن ذلك كثيراً، وعندما تكون الصاعقة قريبة منا لا يصعب تمييز تفرغ الشرارات وتعددها في كل إتجاه، وقد تستغرق الواحدة منها زهاء ثانية كاملة قبل أن يتلاشى وميضها، وقد يتعذر علينا رؤية الشرارة نفسها حيث تضيء السحب والسماء فجأة بنور ساطع يطلق عليه أحياناً اسم صحائف البرق ) [7] .

 

    ونفس الحقائق في كتاب «أسرار الأرصاد الجوية»:( العواصف ظواهر عنيفة من حالات الطقس مصحوبة بالبروق والصواعق وسقوط البرد والأمطار الغزيرة، تنشأ العواصف داخل الكتل السحب الضخمة من نوع الركام، التي يصل ارتفاعها من 10-16 كم، وتبلغ حرارة قمة الغيمة - 50 درجة في أوربا، و- 72 درجة في خط الاستواء، تحدث داخل الغيمة حركات صعود وهبوط وتتشكل عندها قطرات البرد، وإن عدم التوازن داخل الغيمة يعود إلى الشحن الكهربائية الموجبة والسالبة، تكون قمة الغيمة مشحونة إيجابياً، وقاعدتها مشحونة سلبياً كمدخرة، وأحياناً يكون شحن الغيمة معكوساً، وعندما يحدث خلل في التوازن على السطح الخارجي للغيمة، أي بين القاعدة المشحونة سلبياً والأرض المشحونة إيجابياً، أو بين قاعدة الغيمة السالبة والأرض الموجبة، واعتباراً من اللحظة التي يحصل فيها تصادم مباشر بين منطقتين سالبة وموجبة يحدث التفريغ الكهربائي وينطلق البرق ) [8].

    وعندما يتحدث العلماء عن نشأة الشحنات الكهربائية في الغيوم الرعدية، فإنهم يجعلونها تعتمد على مفهومين أساسيين، أولهما:  إن قطرات الماء فوق المبردة أثناء تجمدها، تأخذ بالتجمد باتجاه الداخل بدءاً من سطحها، وهذا يؤدي إلى إبقاء داخلها {لبها} أدفأ من سطحها، ويكون داخلها الأدفأ مشحوناً بشحنة سالبة، شوارد ˉ H o، في حين يكون سطحها الأبرد موجب الشحنة بسسبب هجرة شوارد الهيدروجين +  H، مع انخفاض تدرج الحرارة .

    ثانيهما: أنه عندما تتفتت حبات البرد الهشة أثناء عملية التجمد، فإن شظايا الجليد الصغيرة الحاملة لشحنات موجبة، تنطلق مندفعة إلى أعلى حجيرة الحملان مع التيارات الصاعدة، وهذا ما يفسر كون الجزء الأعلى من الغيمة الرعدية، الذي درجة حرارته دون -20 درجة ذو شحنة إيجابية، وبالمثل فإن كريات البرد الأثقل المشحونة سلبياً تسقط باتجاه قاعدة الغيمة لتكسبها شحنتها الكهربائية السالبة وهناك عملية أخرى يمكن بفعلها أن تتولد الشحنات الكهربائية في الغيمة الرعدية، تقوم على ما ينتج من التصادم الحاصل بين بلورات الجليد الباردة، وكريات البرد الهش الأحرّ، إذ ينجم عن التراكم الجاري لقطرات الماء فوق المبرد على كريات البرد، نشوء سطوح غير منتظمة تتسخن نتيجة انطلاق الحرارة الكامنة في قطرات الماء عند تجمدها، ويتولد من جراء صدمات بلورات الجليد الباردة لهذه السطوح غير المنتظمة تولد شحنات سالبة تكتسبها تلك السطوح، بينما تكتسب البلورات الجليدية الأبرد شحنة موجبة، ومرة أخرى تأخذ تأثيرات ظاهرة الفعل الجاذبي الثقالي دورها في توزع الشحنات الكهربائية في داخل الغيمة.

    ونفس المعنى في كتاب «الأرصاد الجوية»:( تتكون العاصفة الرعدية بصفة عامة من برق ورعد ورياح قوية مصحوبة بأمطار غزيرة وبرد وكرات من الثلج، وتحدث السحب الركام المزني السوداء الضخمة، وتستمد العاصفة الرعدية الجزء الأكبر من طاقتها من الحرارة الكامنة الناتجة من تكثف بخار الماء في الغلاف الجوي، والعوامل المساعدة لتكوينها هي:

     1-  وجود كميات من بخار الماء في الغلاف الجوي.

     2- تكثف بخار الماء وانطلاق الحرارة الكامنة منه.

     3- حالة عدم استقرار في الغلاف الجوي.

     4- وجود تيارات صاعدة قوية ) [9].

  

الإعجاز:

هذه بعض أقوال علماء المناخ، ولا داعي لسرد المزيد مما توصل إليه العلماء في هذا المجال من نتائج حول السحب الركامية، وما تتضمن من برد وبرق ورعد، ولكن لنتسائل هل كان في عهد محمد عليه السلام أجهزة الاستشعار عن بعد حتى قرر هذه الحقائق، أم هل كان لديه مكوك فضائي وأقمار إصطناعية ليرسل تلامذته إلى الفضاء كي يصور له هذه الحقائق عن السحب وما حوت ؟

    إن هذا التوافق المدهش بين ما سجلته الآية الكريمة حول السحب الركامية وخصائصها، وبين ما وصل إليه العلم ليدل دلالة قاطعة على صدق نبوة محمد عليه السلام من جهة، وعلى أن ما جاء به هو من عند الله تعالى، أفلا ينبغي على رواد العلوم والمعارف أن يحنوا رؤوسهم إجلالاً لهذه المعجزات القرآنية العظيمة.

    إنها ومضات سريعة تعرفنا من خلالها على الرياح وأنواعها والريح وعواقبها، والسحب وأشكالها  وعلى البرق والرعد والصواعق، فكل هذه من جنود الله العظيم، لينبه بها عباده ليتقوه ويخافوه. 


[1] سورة الرعد، الآيتان 12 13.

[2] مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ص 118.

[3] سورة النور، الآية  43.

[4] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 6/66، وانظر: التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة  1990، 4/386.

[5] لسان العرب، لابن منظور، 10/14.

[6] المصدر نفسه، 3/179، وانظر: كتاب العين، للفراهيدي، 2/33.

[7] المعارف الكونية، إعداد نخبة من العلماء، ص370

[8] أسرار الأرصاد الجوية، موسوعة علمية مبسطة، ص54.

[9] الأرصاد الجوية، محمد أحمد النطاح، ليبيا، الدار الجماهيرية، الطبعة الأولى، 1990، ص371.