إعجاز القرآن في حفظ صحة الإنسان
بقلم: الدكتور مروان شعبان
من المعلوم أن الإسلام قد جعل حفظ النفس من الضروريات الخمس ( الدين، النفس، المال، العرض، العقل ) بل إن شرع الله عز وجل ما نزل إلا ليحافظ على الإنسان من كل نواحيه وشتى مرافق حياته، فالإنسان يستمد قبساً من نور القرآن فتطمئن نفسه ،ويستنير قلبه وتهدأ أعصابه وتزكو روحه، وينهل من أحكام القرآن وشرعه، ما يحصن حياته من كل زلل، ويحفظ نفسه من كل سوء، وتسلم صحته وبدنه من كل مكروه، والدارس المتمحص لكتاب الله في هذه الجوانب ،يدرك ما نشير إليه، والمتمعن في السيرة العطرة يجد من هدي النبوة لحياته أسوة صالحة في دينه وبدنه وصحته ودنياه، وأبواب ذلك كثيرة، فطعامه ولباسه ونومه واطمئنانه ومعاشرته ومسكنه وبيئته كل ذلك وغيره كثير، يجد الإنسان فيه مرشداً صحياً له، ودليلاً وقائياً لكثير من الأمراض إنْ هو طبق سنة الحبيب الطبيب عليه السلام.
ولقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة في الصحة العامة، تنسجم هذه القاعدة مع عموم صحة الإنسان وذلك في قول الله تعالى: ) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [1]

كلمتان قرآنيتان جعلهما الله جل جلاله بمثابة جناحين يرقيان بالإنسان صعداً في مدارج القوة والنشاط والفتوة، فالله عز وجل يوجه عباده إلى التوسط في المأكل والمشرب، ولسنا بصدد عرض فوائد هذه الوسطية والاعتدال في الأكل والشرب، فالناس جميعاً يعرفون ذلك من خلال خبرتهم وملاحظاتهم للآثار السلبية أو الإيجابية في حالة التطبيق أو التفريط.
قال ابن قيم الجوزية _ رحمه الله تعالى _ في هذا الصدد:" فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة، إلا أنه يستلزم بقاء الحرارة والرطوبة اللتين بقاء الشباب والصحة والقوة بهما، فإن هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار، و إنما غاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عن مفسداتها من العفونة وغيرها، ويحمي الحرارة عن مضاعفاتها، ويعدل بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الإنسان، كما أن به قامت السماوات والأرض وسائر المخلوقات، إنما قوامها بالعدل، ومن تأمل هدي النبي rوجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب، والملبس والمسكن، والهواء والنوم، واليقظة والحركة، والسكون والمنكح، والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل " [2]
ولذلك فإننا نجد رسول الله عليه السلام في كثير من أحاديثه كان يُذكّر أصحابه الكرام ونحن معهم بنعم الله على الإنسان، ويجعل نعمة الصحة من أهم النعم بعد الإسلام، فكان يقول عليه السلام: « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ » [3]
و قال عليه السلام: « من أصبح منكم معافىً في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيـزت له الدنيا » [4]
وعند أحمد، قال عليه السلام للعباس: « يا عباس يا عمّ رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة » [5]
وهكذا نرى أن الله في قرآنه المجيد، والنبي rفي هديه وإرشاداته، يضربان سوراً منيعاً يحفظ صحة الإنسان، ويحافظ على عافيته وسعادته ويتحقق ذلك باتباع هذه التعاليم الدينية...
[1] سورة الأعراف, الآية 31
[2] (الطب النبوي: لابن قيم الجوزية، ص187).
[3] (رواه البخاري: 7 / 170، و الترمذي :4/ 550، م (2304)).
[4] (رواه الترمذي : 4/574 ، م (2346 ) وقال : هذا حديث حسن غريب ، وابن ماجة 2/1387 ، م (4141 )).
[5] (رواه أحمد في مسنده : 1/209والترمذي : 5/534، م (3514) وقال : هذا حديث صحيح).