حركة الشمس وجريها
بقلم: الدكتور مروان شعبان
قال تعالى: ) وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [1](.
وقال سبحانه: ) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [2](.
وقال سبحانه: ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم(ِ [3].
نلاحظ أن هذه الآيات تقرر قراراً صريحاً وواضحاً أن الشمس تجري وتسبح في فلك السماء فهي ليست ثابتة كما كان يعتقد الناس قديماً، فكانوا يعتقدون أن الشمس مسمرة ثابتة في كبد السماء، لا يعتريها زوال، وتستهجن الحركة والمسير، وتركن إلى الاستقرار والجمود…
لكن الله سبحانه وتعالى قرر أنها تجري، والفعل ) تجري( فيه إعجاز عظيم، لأنه لا يدل على حركة الشمس الظاهرية التي يبصرها الناس عندما تشرق الشمس شيئاً فشيئاً، ثم ترتفع وتتوسط السماء، ثم تزول وتأوي إلى مهدها في الغياب، ثم تتوارى عن أنظار الخلائق…بل هو يدل ويعبر عن حركة واقعية أثبتتها الأرصاد، وحركتها العظيمة هذه يعبر عنها الفعل )تجري( بالسرعة الهائلة التي تقطعها الشمس خلال جريانها، لأن الجري أسرع من المشي أو السير، ولذلكم فإن جريان الشمس السريع هذا المقرون بجاذبية الشمس، يجر معه الكواكب السيارة التي تدور حولها، ولقد أشرنا إلى المسافة الكبيرة التي تقطعها الشمس في الثانية، والتي توضح لنا تألق دقة التعبير القرآني بالفعل)تجري( الذي حمل الإعجاز الشمسي في أحرفه الرصينة.
وبنظرة دقيقة في كتب التفسير حول هذه الآيات نجد ما يلي:
ففي تفسير الطبري: وسخر الشمس والقمر لمصالح خلقه ومنافعهم، كل يجري يقول: كل ذلك يجري بأمره إلى وقت معلوم وأجل محدود، إذا بلغه كورت الشمس والقمر، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [4].
ويقول الحافظ ابن كثير: وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، قيل: إلى غاية محدودة وقيل إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح [5].
وكذلك قال الإمام البيضاوي: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاح ما يصلحانه من المكونات، وسخر لكم الليل والنهار يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم [6].
وفي تفسير «معالم التنـزيل »:وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، يجريان فيما يعود إلى مصالح العباد ولا يفتران، قال ابن عباس: دؤبهما في طاعة الله عز وجل، وسخر لكم الليل والنهار يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان والزيادة [7].
ويسوق ابن الجوزي أربعة أقوال فيقول: أحدها إلى موضع قرارها روى أبو ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: )لمستقر لها(قال: (مستقرها تحت العرش وقال: إنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الطلوع فيؤذن لها) [8]، والثاني أن مستقرها مغربها لا تجاوزه ولا تقتصر عنه قاله مجاهد، والثالث لوقت واحد لا تعدوه قاله قتاده وقال مقاتل: لوقت لها إلى يوم القيامة، والرابع تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها [9].
إذن، يصرح القرآن الكريم بأن الشمس تجري باتجاه معين، وهذا ما قرره علماء الفلك بأن للشمس حركة حقيقية في الفضاء معلومة المقدار والاتجاه، وكشف النقاب عن ذلك بعد ألف ومائتي سنة من نـزول هذا الكتاب الحكيم وأوضح علم الفلك، أن الشمس لها مجموعة من الكواكب والأقمار والمذنبات، تتبعها دائماً، وتخضع لقوة جاذبيتها، وتجعلها تدور من حولها في مدارات متتابعة بيضاوية الشكل، وجميع أفراد هذه المجموعة تنتقل مع الشمس خلال حركتها الذاتية [10].
ولو فتشنا في المعاجم عن معنى ) دائبين( لوجدنا مايلي:
في لسان العرب: الدؤوب، المبالغة في السير، و أدأب الرجل الدابة إدآباً، إذا أتعبها، والفعل اللازم دأبت الناقة تدأب دؤوباً، ورجل دؤوب على الشيء...يقال: دأبت أدأب دأباً و دؤوباً، إذا اجتهدت في الشيء، والدائبان، الليل والنهار [11].
وفي مختار الصحاح: دأب في عمله، جد وتعب، وبابه قطع وخضع، فهو دائب، بالألف لا غير و الدائبان: الليل والنهار [12].
نستطيع أن نستخلص من معطيات النصوص القرآنية ما يلي:
1- أن الشمس تجري في الفضاء بسرعة منتظمة.
2- ستتوقف الشمس عن الجري في وقت ما، وسيكون لها مستقر محدد لايعلمه إلا الحق سبحانه وتعالى.
الحقائق العلمية:
ماذا قال العلماء عن حركة الشمس وجريانها ؟.
لقد أثبتت الأبحاث العلمية أن الأجرام كلها تجري في الفضاء، ولكل كوكب أو جرم فلك خاص به يدور حوله ولا يحيد عنه أبداً، والشمس من هذه الأجرام السيارة، ولها ثلاث حركات تقوم بها معاً.
حركات الشمس:
أولاً: الدورة المحورية.
وتتمها الشمس حول نفسها في زمن متوسط قدره 30 يوماً، ونقول في زمن متوسط، لأن جسم الشمس الغازي لا يتصرف عند دورته المحورية تصرف الأجسام الصلبة، كالأرض فالمنطقة الاستوائية في الشمس تتم دورة كل 25 يوماً، بينما تحتاج المنطقة الواقعة عند درجة عرض 30ْ من سطح الشمس إلى 26.4 يوماً كي تتم الدورة، أما عند درجة عـرض 60ْ من سطح الشمس، فإن المنطقة هناك تحتاج إلى 32 يوماً لإتمام الدورة، والمنطقة الواقعة عند درجة عرض 80ْ من سطح الشمس تحتاج إلى 35 يوماً كي تتم دورتها، وقد أمكن التأكد من دوران الشمس حول نفسها عن طريق رصد الكلف الشمسية، التي كانت تدور مع سطح الشمس والتي احتاجت إلى 15 يوماً حتى أتمت نصف دورة من الدورة الكاملة للشمس.
ثانياً: الدورة الانتقالية للشمس.
تقوم الشمس مع كل منظومتها بدورة انتقالية حول مركز مجرتنا، ولما كانت المنظومة الشمسية واقعة قرب حافة المجرة، وتبعد عن مركزها بمقدار 30 ألف سنة ضوئية، فإنها تحتاج إلى 250 مليون سنة كي تتم دورتها حول المجرة، علماً بأن سرعتها لا تقل عن 206 _ 220 كيلومتر في الثانية، أي ما يعادل 741600 كم في الساعة.
ثالثاً: الحركة التباعدية أو الإنتشارية.
لقد ثبت أن المجرات تنطلق في الكون متباعدة عن بعضها، وقد دعا العلماء هذه الظـاهرة باسـم "الانتشار الكوني" وقدرت سرعة مجرتنا وضمنها شمسنا، وهي تبتعد عن غيرها من المجرات في الكون بمقدار 980 كيلومتراً في الثانية، أي ما يعادل3528000 كيلومتراً في الساعة [13].
وفي «الموسوعة الفلكية» نجد أن الشمس تدور حول محورها مرة كل خمسة وعشرين يوماً وتقاس حركتها بمراقبة البقع الكبيرة المظلمة على سطحها والتي تعرف باسم الكلف الشمسية [14].
ولكي نفهم الآيات القرآنية التي سلف عرضها، يجب علينا النظر في موقع الشمس داخل مجرتنا درب التبانة، وأن نستعين بمعطيات العلم الحديث التي تقول: تتكون مجرتنا من عدد هائل من النجوم موزعة على أسطوانة أكثر تماسكاً في المركز منها على المحيط، ويصل عدد النجوم إلى 130بليون نجم"شمس"، وتحتل النجوم موقعاً يبعد عن مركز الأسطوانة، وبما أن المجرة تدور حول نفسها، وكأن محورها مركزها، فإن ناتج ذلك هو أن الشمس تدور حول نفس هذا المركز في مدار دائري...والشمس تستغرق 250مليون سنة تقريباً لتدور في فلكها دورة واحدة حول مركز المجرة وتجري الشمس في هذه الحركة بسرعة تقريبية قدرها 250كم/ثا، تلك هي الحركة المدارية للشمس والتي صرح بها القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً، وهي الآن علامة من مكتشفات العلم الحديث ولاحظ التعبير القرآني الدقيق )كل في فلك يسبحون( فقد لوحظ أن لكل نجم فلكاً خاصاً به يجري فيه حول مركز المجرة، ويذكرنا الخالق سبحانه عدة مرات في القرآن الكريم بالحقيقة التالية ) والشمس تجري لمستقر لها( وهذه الآية تدل على أن الشمس تتحرك حركة انتقالية بالإضافة إلى سباحتها في فلك خاص بها [15].
الإعجاز:
هذا موجز للمفاهيم العلمية التي تتوافق مع التصورات والحقائق الإعجازية في القرآن الكريم والمتأمل في قوله تعالى:) والشمس تجري( وقوله تعالى )كل في فلك يسبحون( يجد التطابق العلمي المدهش مع هذه النصوص القرآنية، حول جري الشمس الحقيقي في الفضاء وليس الظاهري، وعن تعبير القرآن على الدورة المدارية للشمس حول مجرتنا، وبيان الحق المعجز هذا، في التعبير عن تحركات الشمس ودورانها بيان يدهش أولي العقول والعلوم والألباب، ويدفع المنصفين للإقرار بعظمة هذا الكتاب العظيم.
وأما بيانه تعالى:) لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون(َ [16].
فكل كوكب، وكل نجم، وكل مذنب، يسبح في فلكه الذي قدرله، لا يتحول عنه ولا يحيد وفي نفس الوقت الكل في وحدة متمـاسكة مترابطة بفعل الجاذبية، التي تنطق بوحدانية الله خالق هذا النظام ومبدعه، ولكي تحتفظ الأجرام السماوية بأبعاد ثابتة فيما بينها دون صدام جعلها الخالق الأعظم تتجاذب فيما بينها تجاذباً صغيراً محدوداً، بحجم كل منها وكتلته وبعده عن الشمس، ووفق هذا التجاذب تظل مواقع النجوم فيما بينها ثابتة، والأجرام وشمسها على مسافات وأبعاد تتحقق للجميع سبحاً وطوافاً دون تماس أو صدام…إنه ميزان الله الدقيق الذي أودعه في قانونه الأعظم للكون [17]، )وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( [18].

قال تعالى:) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(، والميزان من الاتزان، ومن الملاحظ أن الكواكب التسعة في المجموعة الشمسية على مستوى واحد وكأنها طبق موزون.

صورة تمثل جذب الشمس للمنظومة الشمسية.
إن قانون الجاذبية وقانون التوازن، يعملان بإحكام وإتقان في النظام الشمسي، وفي النظام النجمي الذي يلف المجرات والكون بأسره، وكذلك يعملان في أدق وأصغر الأشياء، في الذرة التي تحتوي على نظام الدوران العجيب الموجود ذاته في النظام الشمسي والنظام المجري والنظام الفلكي العام، إنها قدرة الله التي خلقت كل شيء موزون، وبقدر...
[1] لقمان، الآية 29.
[2] إبراهيم، الآية 33
[3] يس، الآية 38.
[4] جامع البيان، للطبري،21/83، وانظر: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، علي بن أحمد الواحدي، تحقيق، صفوان داودي، 2/850.
[5] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 3/453، وانظر: التفسير الواضح الميسر، محمد علي الصابوني، ص1022.
[6] أنوار التنـزيل، للبيضاوي، 3/350.
[7] معالم التنـزيل، حسين بن مسعود البغوي، تحقيق، خالد العك، 3/36.
[8] صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: والشمس تجري لمستقر لها،4/1806، رقم: ( 4524).
[9] زاد المسير، لابن الجوزي، 7/17.
[10] الإعجاز العلمي في الإسلام، محمد كامل عبد الصمد، ص42.
[11] لسان العرب، لابن منظور، 1/368.
[12] مختار الصحاح، للرازي، 1/83.
[13] انظر: الشمس، إبراهيم حلمي غوري، ص 18.
[14] الموسوعة الفلكية، خليل بدوي، ص21.
[15] من دلائل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، موسى الخطيب، ص273.
[16] يس، الآية 40.
[17] المنهج الإيماني للدراسات الكونية، عبدالعليم عبدالرحمن خضر، ص 33.
[18] الرحمن، الآية 7.