تعدد الشموس والأقمار
بقلم: الدكتور مروان شعبان
قال تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( [1].
تشير هذه الآية الكريمة من خلال قوله تعالى:) خلقهن ( إلى تعدد الشموس والأقمار في هذا الكون، فالحق سبحانه وتعالى أتى بضمير الجمع المؤنث بدلاً من ضمير المثنى، وكان مساق الآية يقتضي حسب قواعد اللغة أن يقول: ) خلقهما ( إشارة إلى شمسنا وقمرنا، لكنه عدل عن المثنى إلى الجمع ليسطّر معجزة قرآنية كونية هنا، وهي أن الله سبحانه وتعالى خلق شموساً وأقماراً كثيرة وهذا ما أثبته العلم وقرره الحق.
وبإلقاء نظرة دقيقة في تفاسير العلماء رحمهم الله تعالى، يتبين لنا إدراكهم لبعد هذه الإشارة القرآنية المعجزة.
يعلق الإمام الطبري على الآية فيقول: يقول تعالى ذكره: ومن حجج الله تعالى على خلقه ودلالته على وحدانيته، وعظيم سلطانه، اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كلّ واحد منهما صاحبه والشمس والقمر، لا الشمس تدرك القمر وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر، فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم، فإنما يجريان به لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعا أو ضرّاً وإنما الله مسخرهما لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونها، فإنه إن شاء طمس ضوءهما، فترككم حيارَى في ظلمة لا تهتدون سبيلاً، ولا تبصرون شيئاً...وقيل: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ، فجمع بالهاء والنون، لأن المراد من الكلام، واسجدوا لله الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر، وذلك جمع، وأنث كنايتهن [2].
وفي تفسير القرطبي: قوله تعالى: )وَمِنْ آيَاتِهِ( علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته )ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ( وقد مضى في غير موضع، ثم نهى عن السجود لهما، لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله، لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما )وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ( وصورهنّ وسخرهنّ، فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار، وقيل: للشمس والقمر خاصة، لأن الاثنين جمع، وقيل: الضمير عائد على معنى الآيات )إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( وإنما أنث على جمع التكثير، ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل [3].
وتعليل الإمام القرطبي يعتبر كشأن سائر تفسيره من اللطائف الرائعة، إذ يعتبر أن الضمير يعود الشمس والقمر أي المثنى، ولكن الآية جاءت بصيغة الجمع على جمع التكثير...
وعند الرازي:( ولما بيّن أن الشمس والقمر محدثان، وهما دليلان على وجود الإله القادر قال: )لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ ( يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله، والسجدة عبارة عن نهاية التعظيم فهي لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات، فقال: )لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ ( لأنهما عبدان مخلوقان )وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ( الخالق القادر الحكيم، والضمير في قوله )خَلَقَهُنَّ ( لليل والنهار والقمر، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، يقال للأقلام بريتها وبريتهن، ولما قال: )مّنْ ءايَـٰتِهِ ( كن في معنى الإناث فقال: )خَلَقَهُنَّ ( وإنما قال: )إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون(َ لأن ناساً كانوا يسجدون للشمس والقمر، كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق الأشياء [4].
وفي «أنوار التنـزيل»: )وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ( لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم )وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ ( الضمير للأربعة المذكورة والمقصود تعليق الفعل بهما إشعاراً بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار، )إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( فإن السجود أخص العبادات وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به [5].
رأينا كيف أن المفسرين رحمهم الله تعالى، حاولوا أن يعيدوا الضمير ) خَلَقَهُنَّ ( للأربعة "الليل والنهار والشمس والقمر"، والحق أن الضمير ) خَلَقَهُنَّ ( يرجع للشمس والقمر فقط، لأن المشركين كانوا يعبدون من جملة ما يعبدون الشمس والقمر، ولذلك وبخهم الحق في كثير من الآيات ونهاهم أن يعبدوهما، ولم يرد قط أن المشركين عبدوا طبيعة الليل أو طبيعة النهار ؟.
وعلى هذا فإن الجمع هنا) خَلَقَهُنَّ( جاء آية معجزة كشف عنها علماء عصرنا، عندما تحققوا بالدليل العملي والمرئي أن في كوننا ملايين من الشموس، والكثير من الأقمار.
الحقائق العلمية:
لقد وجد العلماء أن النجوم على أنواع مختلفة، وهي برغم ظهورها للعين نقاطاً لامعة في السماء، إلا أنها شموس مثل شمسنا، وتظهر هكذا لبعدها عنا، حيث أن أقرب نجم إلينا يبعد مسافة تزيد على أربع سنوات ضوئية، وهو نجم الشعرى ولبعض النجوم كتلة تقل عن كتلة الشمس، ولبعضها الآخر كتلة تزيد بمائة ضعف وأكثر على كتلة الشمس [6].
ثم إن النجوم التي تتكشف لنا ليلاً تكون جزءاً من مجموعات نجمية هائلة، وبطبيعة الحال فإن الشمس هي أقرب النجوم إلى الأرض، وهناك نجوم أخرى تبعد عنا مسافات بالغة، لدرجة أننا نشاهدها على هيئة سحب ضوئية تختلف شدتها ويمكن للراصد في ليلة صافية أن يرى حوالي 2750 نجم في الكرة السماوية بالعين المجردة كما أن هناك العديد من النجوم التي لا نستطيع رؤيتها بسبب ما يفصل بيننا وبينها من السحب الغازية [7].
وأما عن تعدد الأقمار فقد ثبت وتحقق وجود الكثير من الأقمار وأغلب كواكب المجموعة الشمسية لها توابع تدور حولها، كما يتبع القمر الأرض ويدور حولها، فالتوابع كالكواكب أجسام باردة غير ملتهبة ولكن تصغرها حجماً، وترتبط معها برباط الجاذبية فتدور حولها، فهي أقمارها ولكن ليست كل كواكب المجموعة الشمسية في مثل قناعة الأرض تكتفي بجذب تابع واحد وهو القمر، فكثير من الكواكب الأخرى لها أكثر من تابع، والمشتري على ضخامته له "12" تابعاً يدور حوله [8].
وزيادة لتأكيد القضية والفائدة في آن واحد، نورد أرقاماً وجداول بالأقمار.
وللمريخ قمران هما "فوبوس وديموس" يدور الأول حوله ثلاث مرات في اليوم الواحد، أما الثاني فإن دورته بحدود 30 ساعة، وكلا القمرين صغير جداً إذ يبلغ قطر الأول 13 كيلومتر، وقطر الثاني 8 كيلومترات فقط.
وأقمار المريخ مظلمة جداً، درجة القدرة على عكس نور الشمس هي 5 % وموادها التكوينية يمكن أن تكون مشابهة للمواد الفحمية وكل منها مغطى بطبقة سطحية من المواد الصخرية المفككة بسماكة عدة مليمترات [9].
وأما المشتري فعدد أقماره ستة عشر قمراً، تقع ثمانية منها على أبعاد صغيرة من الكوكب لا تتعدى مليون كيلومتر، بينما تتزايد أبعاد أربعة منها 12مليون كيلومتر، أما الأربعة الأخرى فتدور على مسافات بين 21 _ 24 مليون كيلومتر في اتجاه عكسي وفي مستويات ذات ميل كبير، وقد اكتشفت حول المشتري حلقة رقيقة تدور حول الكوكب من حصوات صغيرة الحجم [10].
ويدور حول زحل 18 قمراً و 7 حلقات ترى منها على الأرض 3 حلقات وأكبر أقمار زحل هو القمر تيتان وهو ثاني أقمار المجموعة الشمسية بعد جانيمن، ثم يلي تيتان في الكتلة 8 أقمار متوسطة، والباقية أقمار صغيرة أشكالها غير منتظمة، وأبـعد أقـمار زحل يسمى فوب يبعد تقريباً 4 أمثال بقية الأقمار ويتحرك حركة تقهقرية [11].
الإعجاز:
تلك هي أقمار المجموعة الشمسية التي يتربع على عرشها نجم الشمس الكبير، وتطوف حوله تسعة كواكب سيارة ومجموعة أقمار لها، إضافة إلى آلاف الكويكبات وملايين المذنبات التي تحفها.
ورأينا أن لكل كوكب مداره الخاص، وفلكه الذي يطوف فيه بدقة ونظام قد حدده خالق الأكوان سبحانه و تعالى فـ ) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ( [12].
وما تلك النجوم المرصعة في كبد السماء والتي تصل إلى المليارات المليارات ما هي إلا شموس كشمسنا وإن اختلفت في الحجم والإشعاع، لكن طبيعتها واحدة، لأن خالقها سبحانه وتعالى واحد إنها آيات الله في الآفاق وفي الأكوان، وكلها ناطقة بالوحدانية، فالجمع في قوله: )فيهن( جاء ليترجم هذه الحقائق العلمية التي توصل إليها العلماء في تعدد الشموس والأقمار، ولكنها أسبقية سطرها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً.
وما حدثنا عنه علم الفلك هو شيء يسير جداً، ويكاد لا يذكر أمام الكون العظيم المجهول ومهمة الإنسان أن يسير في الأرض معتبراً، وينظر في السماء دارساً وباحثاً عن آيات الله في الآفاق قال تعالى:) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (.

صورة تبين بعض أقمار المريخ
[1] سورة فصلت، الآية 37.
[2] جامع البيان، للطبري، 24/76، وانظر: قبس من نور القرآن، محمد علي الصابوني، 11/248.
[3] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 15/363.
[4] التفسير الكبير، للرازي، 27/570.
[5] أنوار التنـزيل، للبيضاوي، 5/116، وانظر: بحر العلوم، للسمرقندي، 3/224.
[6] خلق الكون، محمد باسل الطائي، ص62.
[7] الميكروكمبيوتر وعلم الفلك، محمد رشاد الدين مصطفى، ص22.
[8] أعماق الكون، سعد شعبان، ص79، وانظر: السماء في الليل، عبد القادر عابد وعلي عبنده، ص22.
[9] خلق الكون، محمد باسل الطائي، ص 49.
[10] موسوعة غينيس في علم الفلك، باتريك موور، ص 71.
[11] علم الفلك العام، مرفت السيد عوض ومصطفى كمال محمود، ص 154.
[12] سورة يس، الآية 40.