موت الشمس ونهايتها بين القرآن والعلم

بقلم: الدكتور مروان شعبان

 

    يقول مولانا تبارك وتعالى: )إِذَا الشَّمْسُ كوّرت [1](.

    ويقول سبحانه وتعالى:) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [2](   .

    ويقول(الله تعالى):) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [3](   .

     كثير ممن أعلنوا التمرد على الإيمان والتوحيد، وانغمسوا في حمأة الإلحاد، ظنوا أن الحياة الدنيا هي خلود أبدي، وأن الذي يمسك بزمام الأحياء إنما هي الطبيعة والدهر، وراحوا ينسجون تصورات بالية، وخيالات وهمية حول ذلك، وكان من جملة هذه المعتقدات أن الشمس لن تموت، بل إن بعضهم قد جعلها إلهاً وعبدها !.

    وتدورحركة الزمان، وتتهاوى تلك الخرافات بل وحتى تلك النظريات التي تتحدث على استمرارية الشمس في الحياة إلى اللانهاية، ويقتنع العلماء ويجمعون، كما سنرى على أن الشمس أمضت أكثر من نصف عمرها، وأن نهايتها محتومة، وانطفاؤها آت لامحالة.

    وهناك نصوص قرآنية كثيرة تشير إلى أخطر الأحداث التي ستطرأ على الشمس وعلى الكون بأسره، إنها النهاية التي سيمتد سلطانها على المكونات جميعاً، حيث ينفرط عقد الشمس المنتظم وتكور الشمس، وينطفئ لهيبها، وتخمد وتقع واقعتها...

    إنها نهاية رهيبة عبر عنها القرآن بالفناء  )كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان ٍ [4](، ولسيد قطب رحمه الله تعالى وصف وتعليق رائع على الآية فيقول: في ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس، وتخشع الأصوات وتسكن الجوارح، وظل الفناء يشمل كل حي، ويطوي كل حركة، ويغمر آفاق السماوات والأرض، وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح، والزمان والمكان، ولا يملك التعبير البشري أن يصور الموقف، ولا يملك أن يزيد شيئاً على النص القرآني الذي يسكب في الجوانح السكون الخاشع، والجلال الغامر، والصمت الرهيب...الصمت الذي يرسم مشهد الفناء الخاوي [5].

    وفي تفسير القرطبي: قوله تعالى:)إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ( قال ٱبن عباس: تكويرها، إدخالها في العرش، وقال الحسن: ذهاب ضوئها، وقال سعيد بن جُبير: عُوِّرَتْ، وأبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحي، قلت: وأصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي لاثها وجمعها، فهي تُكَوَّر ويمحي ضوءها، ثم يُرمْي بها في البحر، والله أعلم [6].

    ويقول الطبري: اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: )إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ( فقال بعضهم: معنى ذلك إذا الشمس ذهب ضوؤُها، فعن أبيّ بن كعب، قال: ستّ آيات قبل يوم القيامة: بينا الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك، إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحرّكت واضطربت واحترقت، وفزَعت الجنّ إلى الإنس، والإنس إلى الجنّ، واختلطت الدوابّ والطير والوحش، وماجوا بعضهم في بعض وَإذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ، اختلطت وَإذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ، قال: أهملها أهلها وَإذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ، قال: قالت الجنّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر قال: فانطلقوا إلى البحار، فإذا هي نار تأجَّج قال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة، إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم، وعن مجاهد )إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ( قال: اضمحلت وذهبت، وعن قتادة، في قوله تعالى:)إذَا الشِّمْسُ كُوِّرَتْ( قال: ذهب ضوءُها فلا ضوء لها[7].

     ويعلق الإمام الرازي على النهاية تعليقاً جميلاً فيقول رحمه الله:ما معنى قوله تعالى: )فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ (؟ نقول: المشهور أنها في الحال تكون حمراء، يقال: فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة، وحجرة وردة أي حمراء اللون، وقد ذكرنا أن لهيب النار يرتفع في السماء فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء، ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال: وردة للمرة من الورود، كالركعة والسجدة والجلسة والقعدة، من الركوع والسجود والجلوس والقعود، وحينئذ الضمير في)فَكَانَتْ وَرْدَةً ( واحدة، أي الحركة التي بها الانشقاق كانت وردة واحدة، وتزلزل الكل وخرب دفعة والحركة معلومة بالانشقاق لأن المنشق يتحرك، ويتزلزل، وقوله تعالى: )كَٱلدّهَانِ ( فيه وجهان أحدهما: جمع دهن، وثانيهما: أن الدهان هو الأديم الأحمر، فإن قيل: الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون معناه كانت السماء كالأديم الأحمر، ولكن ما المناسبة بين الوردة وبين الدهان؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: المراد من الدهان ما هو المراد من قوله تعالى:)يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْل(  وهو عكر الزيت وبينهما مناسبة، فإن الورد يطلق على الأسد فيقال: أسد ورد، فليس الورد هو الأحمر القاني، والثاني: أن التشبيه بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان، والثالث: هو أن الدهن المذاب ينصب انصبابة واحدة ويذوب دفعة، والحديد والرصاص لا يذوب غاية الذوبان، فتكون حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره، فكأنه قال: حركتها تكون وردة واحدة كالدهان المصبوبة صباً، لا كالرصاص الذي يذوب منه ألطفه وينتفع به ويبقي الباقي، وكذلك الحديد والنحاس، وجمع الدهان لعظمة السماء وكثرة ما يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها فإن الكواكب تخالف غيرها [8].

     إذن، لا حاجة لمزيد من الآيات التي تصف نهاية الشمس والكون، ولا لأقوال العلماء والمفسرين التي ملئت آلاف المجلدات وهي تتحدث على مشاهد الخراب والدمار الذي سيلف الكون بأسره، فإن هذه القضية من مسلمات الإيمان لدى الإنسان المؤمن، ويتسنى لنا الآن أن نصغي إلى نتائج أبحاث العلماء حول نهاية الشمس وموتها.

 

الحقائق العلمية:

     أفاض العلماء في الحديث عن نهاية الشمس، وعن الصورة الرهيبة التي ستنتقل إليها وتتلون بها عند أنفاسها الأخيرة، واعتبروا الشمس مثل أي إنسان لها مولد وبداية، ثم شباب، ثم شيخوخة، ثم موت...

    إن الشمس تتقلص بتأثير الجاذبية، وهكذا تنقلب الطاقة إلى أشعة، وبناءً على ذلك ستصل الطاقة الشمسية إلى نهاية محتومة، وحسب هذه الحقيقة ستتقلص الشمس، وبالتالي يتركز حقل الجاذبية في حجم أصغر، وبالتالي يزداد التركيز أكثر، ويتسارع التقلص فيزداد إنتاج الطاقة، ويتناقص رصيد الشمس منها بالتدريج، حتى تخمد وتتوقف عن التقلص حتى تموت، بعد أن ينفد مصدر طاقتها، ولا تجد إشعاعاً ترسله إلى ما حولها...لقد قضت الشمس 25 مليون سنة حتى بلغت حجمها الحالي، ولا ندري كم ستحتاج من الوقت حتى تبلغ مرحلة العدم، صحيح أن الطاقة النووية تعطي القدرة للشمس، وبما أنها معين هائل فإنها تؤخر حدوث الكارثة، ولكن تبقى الحقيقة المؤلمة وهي أن الشمس ستصل إلى نقطة ختام، حتى ولو بعد ملايين السنين [9].

    وضوء الشمس في ازدياد بشكل بطيء، وسيستمر الازدياد دون توقف في المستقبل، إلى أن ينتهي الهدروجين الموجود في مركزها، وعندما تأخذ عملية نشوئها وقعاً سريعاً، وسيحدث ذلك بعد خمسة مليارات من السنين، وهذا يفسر على أنه بمرور الزمن فإن الشمس تزداد حجماً وسرعة إضاءة  ثم تنتفخ عند جوانبها، وتأخذ في البرودة إلى أن تصبح عملاقة حمراء ، وعندها سيكون في مقدور طبقتها الجوية الرقيقة الهائلة، أن تبتلع كوكب عطارد ثم الزهرة، ومن الممكن الأرض، ولكن عند نمو احمرارها، فإن بروزها يقارب وصوله إلى الأرض، وعندها سوف لن يكون في إمكان الشمس التهام أكثر من شعبة صخرية ملتهبة، وبعد ذلك يأتي زمن اختفاء الشمس من المشهد المعلوم، حيث تنكمش وتصير غير مستقرة، وفي النهاية لا يبقى منها إلا أطلالها، حيث تنكمش مادتها حول مركزها، وتتحول بعد كل ذلك إلى قطعة قزمة بيضاء، وتكون نجمة الشمس عندها قد ماتت [10].

     ويعتقد العلماء أنه مع مرور الزمن ستحرق الشمس وقودها بسرعة أكبر، بسبب الانكماش المستمر للنجوم من فئتها وتعاظم حرارتها الداخلية، وبالتالي تسريع التفاعلات النووية، لذلك لا يقدر لها العيش أكثر من خمسة مليارات سنة أخرى، فعندما تتعاظم الإشعاعات تسخن الشمس لدرجة تبدأ معها مياه البحار بالغليان، ويقدر أن الشمس في طورها الأخير ستمر بحالة العملاق الأحمر، ولكن عندها قد تكون الحياة قد زالت عن الأرض منذ زمن طويل، عندما ينفذ الوقود نهائياً تعود الشمس وتنكمش على نفسها بشكل نجم صغير جداً "قزم أبيض"، بعد ذلك تموت نهائياً بانطفاء كامل [11].

    وأجواء الموت التي ستخيم على المجموعة الشمسية حتى فيما بعد كوكبنا الأرضي، وموت الشمس ذاتها، هي بلا شك أحداث بالغة الدرامية بالمقاييس الإنسانية، أما على الصعيد الكوني فلا ترتدي تلك الأحداث أية أهمية خاصة، ليس فقط لأن الشمس نجم من آلاف  ملايين النجوم في المجرة، ووجوده أو موته لن ينقص أو يزيد في محتويات تلك الحجرة في المجرة، بل لأن موت الشمس ذاتها على الرغم من كل شيء، هو موت هادئ، وهو أشبه بالشمعة المحترقة إلى جانب التفجيرات النووية، وذلك بالمقارنة مع موت النجوم الأخرى...وإذا تابعنا حياة نجم من هذا الصنف نجد أنه يحرق وقوده النووي المركزي، ويستنفذه بسرعة خلال عدة ملايين من السنين فقط، ويتحول من ثم إلى عملاق أحمر، وبدلاً من أن يتبع بعد ذلك مسلكاً متدرجاً في تحوله إلى قزم أبيض لا يعاني خلاله من أي اضطراب إلا فيما ندر، نجده يحرر طاقة ثقالية هائلة عبر انهياره الهادف لبدء دورات جديدة من الاحتراق النووي، الذي ينتهي بتكوين الفحم في باطنه...وعندما يسود الفحم في نواة النجم تتقلص الطبقات الداخلية للنجم بعد ذلك، بينما تتمدد طبقاته الخارجية متحولة إلى غلاف جوي رقيق ودافعة بتيارات من المادة عبر الفضاء، يصبح النجم مرة أخرى عملاقاً أحمر، ولكنه يبقى حتى تلك المرحلة قادراً على تجديد نفسه و الدخول في دورات جديدة من تفاعلات الاندماج النووي لتصنيع عناصر متدرجة في الثقل، عبر أطوار متتابعة من النبض والانهيار، حتى تتحول النواة برمتها إلى الحديد، وإذاك تتوقف كل نشاطات النجم ، ولا يبقى من خيار أمام النواة بعد ذلك إلا التبرد والانهيار [12].

 

الإعجاز:

     رأينا أسبقية القرآن الكريم في تدوين وتقرير موت الشمس، لكن من المدهش حقاً أن يأتي العلماء الفلكيون، وخاصة الغربيون منهم الذين لا يؤمنون بهذا القرآن العظيم، يقرروا نفس النتيجة لا من حيث موت الشمس فحسب،بل في الكيفية التي ستؤول إليها الشمس عند الموت.

     لقد قال الفلكيون كما سبق: إن الشمس في نهايتها ستتحول إلى عملاق أحمر، ولم يكتفوا بهذا بل زادوا على ذلك بأن قالوا: ستعود الشمس وتنكمش على نفسها بشكل نجم صغير جداً، وبعد ذلك تموت نهائياً بانطفاء كامل...

     وهذا هو المعنى الدقيق للتكوير، )إذا الشمس كورت( لأن تكوير الشمس يعني انكماشها على نفسها وانطفاء لهيبها، فلا إله إلا الله ما أعظم هذا القرآن وما أدق بيانه، حقائق علمية يتوصل إليها العلماء بعد أبحاث مضنية وسهر ليالي، نجد القرآن المعجز عبر عنها بكلمة واحدة.

  



[1]  التكوير: 1.

[2]  القيامة: 9.

[3]  الرحمن: 37.

[4]  الرحمن: 26.

[5]  في ظلال القرآن، سيد قطب، 6/ 3454.

[6]  الجامع لأحكام القرن، للقرطبي، 19/227.

[7]  جامع البيان، للطبري، 30/66.

[8]  التفسير الكبير، للرازي، 29/368

[9]  الزلزال الكوني الأعظم، عبد العليم عبد الرحمن خضر، ص32.

[10]  الأجرام السماوية، غيدو روجيري، ترجمة، عبد اللطيف أبو عرقوب، ص239.

[11]  المنظومة الشمسية، سمير عازار، ص34، وانظر: هل نحن وحدنا في هذا الكون، محمد عبده يماني ص61.

[12]  النجم الغريب مولد الشمس وموتها، جون غريبين، ترجمة، فائز فوق العادة، ص90.